الثلاثاء، 4 أغسطس 2015

تفسير آية: ”إلهي إلهي” (مت 27: 46)


تفسير آية: ”إلهي إلهي” (مت 27: 46) للقديس كيرلس عمود الدين (الكنوز في الثالوث – المقالة الرابعة والعشرون – ترجمة د.جورج عوض إبراهيم)

نحن نفتخر بصليب مخلِّصنا المسيح، ونؤمن أننا خَلُصنا؛ لأن كلمة الله صار إنساناً لأجلنا وصُلِب لأجلنا، لكي يُبطِل الموت الذي يسري علينا([1])، ولكي يُقيمنا أيضاً بذاته محوِّلاً إيانا من حالة الفساد إلى حالة عدم الفساد([2]).

لذلك كان ينبغي عليه أيضاً أن يبرهن - وقت الألم - على أنه صار حقاً إنساناً، وليس بحسب الخيال، ولأجل هذا السبب بالضبط، صرخ وتحدث بما يتناسب مع إنسان، وقال: "إلهي إلهي لماذا تركتني" (مت 27: 46)، "فلتعبر عني هذا الكأس" (مت 26: 39). بينما بأعماله برهن على أنه هو الله، هذا الذي لأجلنا صار إنساناً، واحتمل هذه الأمور البشرية على الصليب لأجل خلاصنا جميعاً. لأن الشمس أخفت شعاعها ولفَّ الظلامُ السماءَ، وانشقت الصخور وحجاب الهيكل. وصنع أموراً أخرى عظيمة مثل هذه لكي يبرهن أنه هو الله الذي صار إنساناً. لذلك أيضاً، فإن صالبيه، الذين كانوا يستهزئون به من قبل، وهم يرون كل ما صار بطريقة إلهية، قالوا: "حقاً كان هذا هو ابن الله" (مت 26: 24).

12- ردٌ آخر

كلمة الله صار إنساناً، لا لكي يتصرَّف ويتحدَّث مثلما كان قبل تأنُّسه كإله، لكن لكي يقول ويتصرَّف كإنسان بالشكل الذي يتناسب مع احتياجات خطة التدبير الإلهي. فإذا كان هذا هو مفهوم سرَّ التأنُّس، فكيف يُعقل أن يَعثُر فيه كل الذين يسمعونه يتحدَّث بشرَّياً؟ لأنه يتحدَّث كإنسان، بل ويتحدَّث أيضاً كإله آخذاً سلطة الاثنين معاً. فكإنسان قال: "الآن نفسي قد اضطربت"، بينما كإله: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضاً" (يو 10: 18).

الاضطراب إذن هو من ضمن أوجاع الجسد الخاصة، بينما السلطان الذي له ليقدَّم حياته ذبيحةً، وأيضاً ليأخذها، هو من عمل قوة الكلمة. فإذا كنا لا نعثر عندما يقول شيئاً بكونه إلهاً، بالرغم من أنه يبدو كإنسان، بل أيضاً نقصد الكلمة الذي اتخذ جسداً. هكذا الأمر عندما يقول شيئاً كإنسان، علينا أن لا نعثر متفكرين في أنه لأجلنا صار إنساناً، ولذلك يقول هذه الأقوال التي تتناسب مع الطبيعة البشرية([3]).

13- ردٌ آخر

بسبب محبته العظيمة والفائقة أتحَدَ كلمة الله ذاته بنا، لا لكي يصير مثلنا؛ لأنه هو غير المتحول ولا يعرف التغيير، لكنه اتَّحد بنا بذاته لكي يغيِّرنا نحن([4]) إلى ما هو عليه. لأنه مثلما أصبح لدينا - نحن الذين قبلناه - كل ما يخصه؛ لأنه سكن في داخل الجسد (إذ قد دُعينا "أبناء" (1 يو 3: 1)، و"آلهة" (مز 82: 6، يو 10: 34)، ليس بحسب الطبيعة مثله، بل بحسب النعمة)، هكذا أيضاً عندما اتحد بنا وصار إنساناً، لَبِسَ ضعفاتنا. هكذا تألم لأنه جعل الجسد الذي أخذه واحداً معه، لكي تُمَات أوجاع الجسد بالنسبة لنا، نحن الذين نُسرع لكي نصير متشبِّهين بالمسيح الذي أخذ لأجلنا كل أوجاعنا في ذاته.

14- ردٌ آخر

يدين الله الإسرائيليين بسبب خطاياهم بواسطة الأنبياء، فيقول: "وَبَنَوْا مُرْتَفَعَاتٍ لِلْبَعْلِ لِيُحْرِقُوا أَوْلاَدَهُمْ بِالنَّارِ مُحْرَقَاتٍ لِلْبَعْلِ، الَّذِي لَمْ أُوْصِ وَلاَ تَكَلَّمْتُ بِهِ وَلاَ صَعِدَ عَلَى قَلْبِي" (أر 19: 5). أيضاً يقول لأورشليم: "سببت لي حزناً بكل ما فعلتِ" (أر 16: 43 س). وأيضاً لأجل شرور أخرى: "أَفَمَا أُعَاقِبُهُمْ عَلَى هذِهِ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمْ لاَ تَنْتَقِمُ نَفْسِي مِنْ أُمَّةٍ كَهذِهِ؟" (أر 9: 9). إذن، لأنه من الواضح للجميع، أن كلمة الله كان هو من قال هذه الأقوال للأنبياء، فما الذي يمكن أن يصنعه محاربو المسيح؟ هل يعتقدون أن كلمة الله - مثل البشر - له نفساً وقلباً، ويقولون إن ألَمَ الحزن والغضب قد استحوذا عليه، فيظهر وكأن لا شيء لديه أكثر من أنه إنسان، في حين أنه هو مثل الآب فوق أي طبيعة مخلوقة؟

لكن ربما يتجنبون هذا ويقولون إن هذه الأقوال قيلت من الكلمة بطريقة رمزية وبشرية. وأنا أقول لكم إذا كنتم تحفظون لابن الله مكانته التي تليق به - عندما يقول هذه الأقوال - مؤكدين على أنه فوق الحزن والغضب والهوى، بالرغم من أنه ظهر محتملاً كل هذا لأجل شيء مفيد، فكيف يُعقل ألاَّ نسمح له - وقد صار إنساناً واتخذ جسداً - بأن يقول مثل هذه الأقوال لكي يظل غير متألم، بالرغم من أن هذه الأمور تُعد من خصائص الجسد بحسب طبيعته، أي ذلك الجسد الذي أخذه لأجلنا مع كل صفاته الطبيعية؟ أي أن يبكي، ويضطرب، ويصارع، ويتجنب الموت، ويتألم بكل ما هو شبيهٌ بتلك الأمور؛ لأن هذه الأمور كلها مِن صفات الطبيعة الإنسانية.

 



([1]) يؤكد دائماً القديس كيرلس – أثناء حديثة عن معجزة تحويل ماء النهر إلى دم بيد موسى - على ما سبق وأكده الرسول بولس بأن موت المسيح هو ربح، إذ يقول: "يقول: "وَيَكُونُ إِذَا لَمْ يُصَدِّقُوا هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وَلَمْ يَسْمَعُوا لِقَوْلِكَ، أَنَّكَ تَأْخُذُ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ وَتَسْكُبُ عَلَى الْيَابِسَةِ، فَيَصِيرُ الْمَاءُ الَّذِي تَأْخُذُهُ مِنَ النَّهْرِ دَماً عَلَى الْيَابِسَةِ" (خر 9:4). الماء هو رمزٌ للحياة, لأنه هو عملياً ضروري ومفيد جداً للبشر. إذن, الابن حقاً هو ذاته الحياة, أتى عملياً كأنه مِن نهر, أي مِن الآب. لأنه كما هو نور أتى من نور , هكذا هو أيضاً حياة من حياة. كون أنه لم يأخذ وجوده من الخارج, بل أتى بحسب الطبيعة من الله الآب, هذا تعلّمه موسى وليس أقل أبداً مما نعمله نحن. لأنه يقول: "إنك تأخذ من ماء النهر" ثم أمره أن يسكب على الأرض. هذا رمزياً يعني سر التأنس. أي حقاً وحيد الجنس هو الحياة, ومولود من الله الآب الذي هو الحياة اتحد بطريقة ما بالبشرية التي أتت من التراب بالضبط مثل إتحاد الماء بالتراب: "فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً" (كو 9:2), وصار مثل الطبيعة البشرية, هكذا لا يستطيع أحد أن يدرك هذا الأمر بذهنه أو يعبر عنه. لكن الماء تحول إلى دم. بمعني أن الحياة بحسب الطبيعة, كلمة الله الآب بالإتحاد الذي تم بحسب التدبير, أقصد إتحاده بالجسد أي بكل البشرية وبكل طبيعتنا, تحمّل الموت بالجسد. بمعني أننا نقول إنه مات لأجلنا بدون أن تعاني طبيعته (الإلهية) لأنه لم يكن من الممكن أن يموت طالما أنه الحياة ذاتها بل مات بجسده". جيلافيرا، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم, مراجعة د. نصحي عبد الشهيد, الكتاب الشهري، عدد أغسطس 2010.
([2]) أثناء حديثة عن التابوت يؤكد القديس كيرلس على أن جسد المسيح بسكنى الكلمة فيه ارتفع فوق الفساد، إذ يقول: [التابوت، يا بلاديوس، يمكن أن يكون مثالاً وأيقونةً للمسيح. لأنه في تفسيرنا لطريقة تأنس الوحيد الجنس روحياً، سوف نرى أن اللوغوس ساكن في هيكل العذراء كما لو كان داخل التابوت. لأنه وفق الكتب المقدسة "فإنه يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً" (كو 9:2). إذن، اللوغوس - بالتأكيد - هو ما يشير إليه لوحا الشهادة بالتابوت. والخشب أيضا كان من النوع الذي لا يصاب بالفساد، وكان مغطىً بذهب نقي وخالص من الداخل والخارج. لأن جسد المسيح غير فاسد محفوظٌ في عدم الفساد بقوة وبهاء اللوغوس الذي يسكن داخله بطبيعته والفعل المحيي للروح القدس. لأجل هذا بالتأكيد يُقال أن المسيح يُحيي. فلأن اللوغوس - باعتباره كلمة الله الآب - حي بحسب طبيعته، فإنه بقوة الروح يُعيد إحياء هيكله جاعلا إياه أسمى من الفساد. لأن "جسده لم يرَ فساداً" وفقاً لكلام بطرس القديس (أع 31:2)]. السجود والعبادة بالروح والحق، ج: 5, المقالة التاسعة ص 65.
([3]) لقد أراد الابن أن يحرر الطبيعة البشرية من أوجاعها لذلك اجتاز - بكونه إنساناً - كل الآلام التي تجتازها هذه الطبيعة، وهذا ما سبق إن ذكره القديس كيرلس في نفس السياق، إذ يقول: "كما أن إبادة الموت لم تتم بطريقة أخرى غير موت المخلّص، هكذا أيضاً من جهة كل ألم من آلام الجسد: فلو لم يشعر بالخوف، لما أمكن للطبيعة البشرية أن تتحرر من الخوف، ولو لم يكن قد اختبر الحزن، لما كان هناك تحرر من الحزن على الإطلاق؛ ولو لم يكن قد اضطرب وانزعج، لما وُجِدَ أي مهرب من هذه المشاعر. ومن جهة كل انفعال من الانفعالات التي تتعرض لها الطبيعة البشرية، فإنك ستجد المقابل لها بالضبط في المسيح. فانفعالات الجسد كانت تتحرك، لا لكي تكون لها السيطرة كما يحدث في حالتنا نحن، بل لكي حينما تتحرك، فإنها يتم إخضاعها كلية بقوة الكلمة الساكن في الجسد، وهكذا فإن طبيعة الإنسان تجتاز تغيّراً نحو الأفضل". شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق، الجزء السابع, الإصحاح الثاني عشر ص 38.
([4]) أكد هذه الحقيقة القديس كيرلس في موضع آخر، قائلاً: "فإن كلمة الله وحَّد الطبيعة البشرية بكليتها مع نفسه، لكي، بذلك يخلّص الإنسان بكليته. فما لم يتخذه للإتحاد بطبيعته (الإلهية)، لا يحصل له خلاص". شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق، الجزء السابع, الإصحاح الثاني عشر، ص 35.

الجمعة، 10 يوليو 2015

خضوع الابن للآب القديس كيرلس عمود الدين




الكنوز في الثالوث، المقالة التاسعة والعشرون ترجمة د.جورج عوض إبراهيم

 

1- معارضة من جانب الهراطقة

إذا كنا نصدق ما قاله بولس عن أن الابن سوف يخضع للآب، فكيف يكون الابن عندئذٍ مساوياً للآب بحسب الطبيعة؟ فالضرورة تحتم عليكم أن توافقوا على أن الذي يخضع هو أدنى ممن يُخضَع له، فالذي يفوز – مثلاً - هو أسمى من المهزوم.

2- الرد

إن محاربي المسيح لا يدركون أنهم بهذه الأقوال يحاربون أيضاً تجديفهم. فلو قبلت أن يكون الابن أدنى من الآب، فلماذا تستعجل في تدعيم هذا الرأي قبل أن يخضع فعلاً؟ لأن بولس يقول: "حينئذٍ سيخضع", فهو إذن يحدد الزمن الذي يحدث فيه هذا الأمر، أي في المستقبل, وبالتالي لا يُظهِر أنه خاضعٌ الآن بالفعل.

ثم كيف تظنونه ليس تجديفاً ما تقولونه من أن الابن لا يخضع الآن للآب، وإنه بطريقةٍ ما يقف ضد ذاك الذي ولده؟ لأن مَن لا يخضع، إنما يفعل مشيئته هو. فإذا كان الأمر على هذا النحو، فما رأيكم فيما قاله المسيح: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 6: 38)؟ ليتهم يقولون لنا - إذا كانوا قادرين على إدراك الكتب المقدسة - ما إذا كان تتميم مشيئة الآب لا يعني الخضوع؟ إذن. كيف يقال عمن يخضع الآن، إنه سوف يخضع حينذاك؟ ليتهم يسمعون إذن - عن حق - "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ" (مت 22: 29).

3- ردٌ آخر

إذا كنتم تقبلون أن يكون الابن مخلوقاً ومصنوعاً، وبالتالي يخضع لهذه الأمور التي صارت، اخبرني إذن يا صاحب - وفق عدم تبصُّرِكَ - إذا كان يمتلك جوهر العبد، فكيف لا يخضع الآن إلى آب الجميع، إذا كان المرنم يقول عن المخلوقات: "الكل عبيدك" (مز 119: 19)؟

نحن أمام أحد خيارين: إمَّا أن نقول إن الآب لا يستطيع أن يُخضع الابن له، دون أن يريد الابن ذلك، الأمر الذي يعني أن يكون الابن أسمى من الآب في حين أنه وفقاً لرأيكم هو الأدنى. وإمَّا أن نقول إن الخضوع شيءٌ حسن، لكن الابن لا يخضع الآن، طالما يقال عنه إنه سوف يخضع في المستقبل، وهو ما يمكنكم معه أن تحسبوه عليه خطية. فإذا كان ما قيل عنه من أبيه حقيقياً بأنه هو: "الذي لم يفعل خطية" (راجع 1 بط 2: 22، أش 53: 9)، فليكن إذن هذا الحديث بعيداً عن أي سخفٍ وعبث.

4- معارضة من جانب الهراطقة

كيف لا يتضح للجميع أن الابن أدنى من الآب, طالما أنه يخضع له؟

5- الرد

وكيف لا يكون واضحاً للجميع (وأنا هنا استخدم نفس كلامكم) أن المساوي يخضع في مرات كثيرة - من أجل التدبير - للمساوي له؟ ألا تصدقون أن روح الأنبياء واحدة؟ فكيف يقول بولس إن: "أَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ خَاضِعَةٌ لِلأَنْبِيَاءِ" (1 كو 14: 32)، بالرغم من أن لديهم نفس الجوهر ويشتركون في نفس الطبيعة؟ فلا الذين يخضعون، لهم طبيعة أدني، ولا أولئك الذين يُخضَع لهم لديهم طبيعة أسمى، أو أكبر([1]). لأنه بالرغم من وحدة الجوهر التي تجمع كل البشر، إلاَّ أن خضوعهم لبعضهم البعض ينتج آلافاً من الأمور الحسنه. وطالما أن هذا الأمر الحسن قد عُيِّن أيضاً لنا, وبطريقة ما، لا يُخِرجنا خارجاً عن حدود الطبيعة, فلماذا لا تتجنبوا هذا التجديف السخيف محافظين على مساواة الكلمة بالله (الآب)؟

6- ردٌ آخر

أيها الأصدقاء, مِن أين لكم أن تقولوا إن مقولة الخضوع تعني أن الابن أدنى من الآب؟ إن جوهر الابن لا يتحدَّد بالخضوع, ولا يتوقف وجود الابن على الخضوع, لأنه, بينما هو يوجد بطريقة مميَّزة, يُقال عنه إنه يخضع. وحيث أن كلمة خضوع لا تصف جوهره, إذن فليس هو أدنى من الآب. لكن لو اعتقدتم أن الخضوع يمثل تحديداً لجوهر الابن, فعليكم أن تلاحظوا في أية هوة تجديف أنتم تسقطون([2]). لأنه إذا كان الأمر على هذا النحو، فمن الضروري أن تقولوا إن الابن يدعى حينذاك إلى الوجود, أي عندما يأتي وقت الخضوع؛ لأن بولس يذكر أنه سوف يخضع في المستقبل, إذ هو للآن لم يخضع بعد.

7- ردٌ آخر يحتوي على شرحٍ مقنعٍ للنص

الآب يفعل كل شيء بواسطة الابن, وهذا شكلٌ من أشكال الخضوع, أي أنه يظهره على أنه يخضع لمشيئة الآب. فعندما قال الآب: "نعمل الإنسان" (تك 1: 26), أخذ الكلمة من الأرض طيناً وصنع هذا الذي تقرَّرَ. لأنه يقول: "كلُ شيءٍ به كان" (يو 3:1).

وحسناً يعلمنا بولس الرسول بأنه في الأزمنة الآتية سوف يصنع الله كل شيءٍ أيضاً بواسطة الابن, إذ يقول بكل حكمة: "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضاً سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (1كو 15: 28). أي كأنه يقول: لا يظنَّنَ أحدٌ أننا سنكون نحن شركاء الآب في الحياة الآتية بطريقة مختلفة, لكن أيضاً بواسطة الابن. وتعبير "بواسطة الابن", يعني الخضوع, دون أن يقلل ذلك أبداً مما يخص جوهر الابن, بل يعلن مقدَّماً بطريقة فائقة للعقل ولا نظير لها، وحدة الثالوث القدوس. لأنه لن يتمرد وقتذاك على ذاته, ولن يسبب - بتغييرات فوضوية - إزعاجاً لهذا الذي هو غير متغيِّر، بل في ذاك الوقت أيضاً، سيكون الآب بواسطة الابن الكل في الكل, حياةً وعدمَ موتٍ وفرحاً وقداسةً وقوةً, وكل ما أُعطي كوعدٍ للقديسين.

وعليك أن تلاحظ عمق التدبير الذي يحمله الشاهد الكتابي؛ لأنه قال: إن الكل سيخضع بواسطة الابن للآب, حتى لا تظن أن الآب سوف يُبعَد عن أن يكون ربَ الكلِ, لأن الابن سيكون سيداً على الكل. لأن الشاهد الكتابي ليس مضطراً لأنْ يقدِّم مَن سيصير سيداً على الكل، على أنه غير خاضع للآب بالضرورة. لأن الآب له قوة السيادة على الكل بمشاركة الابن بطريقة طبيعية في هذا الأمر؛ لأن إلوهية الثالوث الواحدة لها السيادة والملك, الآب بواسطة الابن مع الروح القدس.

8- ردٌ آخر

والذي هو خاضعٌ الآن للآب, كيف يُقال عنه إنه سوف يخضع بعد أزمنةٍ، أو بالحري في الدهر الآتي؟ ألا يخضع الآن متمماً مشيئة الآب، مخُلياً ذاته([3]) كما هو مكتوب (أنظر فيلبي 2: 7) آخذاً شكلَ وهيئةَ عبدٍ؛ لكي يتمم عمله([4])، كما يقول هو ذاته (أنظر يو 17: 4)؟ أعتقد أن هذا واضحٌ وضوحاً كاملاً للجميع، ويظهر حقاً بفحص هذه الأمور. إذن كيف يقول لنا بولس العظيم إن الذي هو بالفعل خاضعٌ الآن, سوف يخضع في المستقبل؟ ليتنا نفحص الشاهد بدقة: "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضاً سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (1 كو 15: 28). فماذا يريد أن يقول؟ المسيح أيضاً الآن خاضعٌ للآب, لكن ليس في الكل, لكن فقط في هؤلاء الذين يؤمنون به (أنظر كو 1: 22), ولأجل هؤلاء قَدَمَ ذاته ذبيحةً للآب كحملٍ بلا عيب([5]), محتقراً الصليب والعار([6]). هكذا, ولأنه حررَّهم مِن كل خطية, قادهم أطهاراً وبلا دنس إلى الخالق. حسناً. عندما أبعد كل ضلال، وعرف ساكني المسكونة الإله الحقيقي، واعترفوا بالمسيح ملكاً ورباً, خاضعين لوصاياه المخلِّصة, عندئذٍ, يكون الكل قد خضعوا, وسيخضع أيضاً هو لأجلنا، إلهاً ورباً ورئيسَ كهنةٍ للكل([7])، ومعطياً بواسطة ذاته للكل إمكانية أن يصيروا شركاء الآب الذي هو فيه. لأنه هكذا يصير الله الكل في الكل, بأن يكون في الكل بواسطة الابن كوسيط, ساكناً في كل واحد من أولئك الذين قد دُعُوا لكي يخلّصهم.

 



([1]) نفس هذه الحُجة نجدها في: حوار حول الثالوث للقديس كيرلس، إذ يقول: "لأنه وفق ما هو مكتوب أن أرواح الأنبياء تخضع للأنبياء، وأولاد (فلان) مثلا يخضعون لأبيهم تماماً مثلما تستطيع أن تقول إن إسحق قد خضع لإبراهيم ومَنْ وَلَده اسحق كان خاضعاً لأبيه الذي وَلَده. لكن لا أرواح الأنبياء كانت لها طبائع مختلفة بسبب الخضوع، ولا الطوباوي اسحق كانت طبيعته مختلفة ومن جنس آخر لأنه كان خاضعاً لأبيه بسبب توقيره له، مُظهِراً طاعة لَمنْ وَلَده وإكراماً لبنوَّته له. إذن كان سيكون الأمر صحيحاً لو أن عملية الخضوع كانت ستغيِّر من طبيعة مَنْ يخضعون وتظهِرهم كأن لهم طبيعة مختلفة عن طبيعة مَنْ يخضعون له، وتجعلهم غرباء عن كلِّ علاقة هي بحسب الطبيعة، وكان سيكون الأمر هكذا حتى بالنسبة للابن، إما إن كان الحديث عن أمر الخضوع لا يضيرهم على الإطلاق إذ هو كما أعتقد يمثل نوع من إكرام الابن للآب، وتصرّف يعكس تقدير واحترام لمن نكن لهم كلَّ تقدير وتوقير، ولا يقلّل - بالنسبة لنا نحن الذين نفعل هذا الأمر - من طبيعتنا، عن طبيعة مَنْ نخضع لهم، أي إن كان الأمر هكذا فلماذا ينسب هؤلاء وبطريقة حمقاء، هذا الأمر للابن الذي هو الله بالطبيعة وقد أتى من الله؟". حوار حول الثالوث، المرجع السابق، الجزء الرابع، الحوار الخامس ص 87.
([2]) سقوط الهراطقة يتمثل في أنهم يستخدمون الكتاب المقدس لخدمة آرائهم المنحرفة، وهذا يرجع - كما قلنا – إلى عدم اعتمادهم على الإيمان المستقيم في شرح النصوص الكتابية، الأمر الذي يؤكد علية مراراً القديس كيرلس، إذ يقول في حواره حول الثالوث: "لأنه في مرّات كثيرة يوجِّه المعاندون كلامهم ضد مجد الابن الوحيد وهم يستخدمون كلمات الكتاب المقدس في اتهاماتهم فعندما يقرأون ما قاله بولس الطوباوي "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضاً سَيَخْضَعُ للَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ"(1 كو 15: 28)، فإنهم - حسب ظنهم - يقولون إن هذه مشكلة عويصة تتطلّب مناقشات طويلة. غير أن الآخرين الذين يحبون الله من قلوبهم ويسهرون من أجل محبتهم في التعلّم وفي التمسك بالإيمان القويم، فهؤلاء يجدون صعوبة في فهم الآية ليس بسبب أنها غير سليمة بل بسبب تحريف المعاندين لمعناها، الذين يرفضونها ظانين أنها غير سليمة. غير أن هؤلاء المؤمنين يتسّلحون سريعا بأسلحة الحق ويهدمون كلَّ المعوقات التي تسببها كلُّ الأفكار الخاطئة، وحينئذ يرون هذه الآية بمعناها الصحيح ويرجعونها إلى معناها المستقيم، أي إلى خضوع المسيح حسب الجسد من أجل التدبير". حوار حول الثالوث، المرجع السابق, الجزء الرابع، الحوار الخامس ص 88 - 89.
([3]) يوضح القديس غريغوريوس النيصي هذه الحقيقة, قائلاً: "بعدما أتحدت طبيعتنا الإنسانية بالطبيعة الإلهية غير المائتة, في شخصه المبارك يتحقق فينا مقولة "خضوع الابن" طالما أن الخضوع الذي يتحقق بالجسد تم في الابن الذي وضع فينا نعمة الخضوع". القديس غريغوريوس النيصي, خضوع الابن للآب, ترجمة د. سعيد حكيم يعقوب, مراجعة د. نصحي عبد الشهيد, المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية يونيو 2005, ص 19.
([4]) من خلال شرح معنى أمر الرب - في العهد القديم - بأن لا يسكب دم أو تُذبح ذبيحة على مذبح الذهب، يؤكد القديس كيرلس على أن الابن تمم كل شيء وأبطل الذبائح الناموسية، إذ يقول: "ممنوعٌ تماماً أن يوجد فوقه، أي فوق مذبح المسيح (في العهد الجديد)، سكيبٌ أو تقدمة ذبيحة. لأنه بالمسيح أُبطلت فرائض الناموس، والظلال وصلت إلى نهايتها. هذا ما يشير إليه عدم إصعاد محرقة أو تقدمةً أو سكيباً فوق مذبح البخور". السجود والعبادة بالروح والحق، المرجع السابق، الجزء الخامس, المقالة التاسعة ص 88.
([5]) الابن هو الحمل الذي بلا عيب البار والقدوس، وهذا ما أكده القديس كيرلس أثناء حديثة عن التيس المرسل إلى البرية، قائلاً: "لهذا صار المسيح ذبيحة عن خطايانا حسب الكتب المقدسة (أنظر 1 كو 15: 3)، ولهذا السبب نقول إنه دُعي خطية، وهكذا يكتب بولس الحكيم جداً: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطيةً لأجلنا" (2 كو 5: 21). والمقصود هنا هو الآب (فهو الذي جعله خطية). لأننا لا نقول إن المسيح صار خاطئاً – حاشا – بل لكونه باراً، وبالحري هو البر نفسه، لأنه لم يعرف خطية، فالآب جعله ذبيحة عن خطايا العالم". راجع: رسائل القديس كيرلس, مركز دراسات الآباء، الجزء الثالث, نصوص الآباء: 34, ديسمبر 1995 ص 65 وما بعدها.
([6]) أكد القديس كيرلس أثناء حديثة عن تقدمة اسحق على تقديم الابن ذاته ذبيحة لأجل البشر، إذ يقول: "وكما أن الفتى الصغير إسحق حمل الحطب الذي أُعطى له من أبيه وذهب به إلى مكان تقديم الذبيحة، هكذا حمل المسيح الصليب على كتفه وتألم خارج المحلة، وكانت هذه هي إرادة الله الآب وليست إرادة بشرية. وهذا ما قاله المسيح نفسه لبيلاطس البنطى: "لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ" (يو 19: 11). أي أن إسحق عندما حمل الحطب كان يشير إلى آلام المسيح وموته، أمَّا تقديم الكبش المُعطى من الله ذبيحة على المذبح فهذا يشير إلى حقيقة أن المسيح أصعد جسده ذبيحة ذكية إلى الآب، ذلك الجسد الذي قيل عنه إنه أخذه من الله الآب بحسب ما ورد في المزمور: "ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لي جسد. بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسرّ. ثم قُلتَ هاأنذا أجيءُ في درج (رأس) الكتاب مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله" (عب 10: 5 - 7، مز 40: 7). ولكنه هو نفسه الكلمة الذي وُلِد من جوهر الله الآب وتجسد من العذراء وسُمِرَ على الصليب، إلاّ انه إله غير متألم وغير مائت، وهو مُنَّزهٌ عن أي ألم وأي موت". جيلافيرا، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم, مراجعة د. نصحي عبد الشهيد, الكتاب الشهري، مايو 2005.
([7]) الكلمة تجسد وصار خادماً للأقداس الحقيقية، وهذا ما أكد علية القديس كيرلس في موضع آخر، قائلاً: "لقد عُيِّن عمانوئيل حقاً كمشرِّعٍ، ورئيسَ كهنةٍ لأجلنا بواسطة الله الآب مقدِّماً ذاته ذبيحةً لأجلنا (انظر عب 9: 14)؛ لأنَّ الناموس، كما يقول بولس الطوباوى: "يُقِيمُ أُنَاساً بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْناً مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ" (عب 7: 28). إذن، فقد نزل الكلمةُ من السماء وصار مشابهاً لنا، خادماً للأقداس والخيمة الحقيقية التي أقامها الرب، وليس أيُ إنسان". السجود والعبادة بالروح والحق، المرجع السابق، الجزء السادس, المقالة العاشرة ص 34.

الجمعة، 3 أبريل 2015

المسيح فصحنا الجديد

المسيح
فصحنا الجديد

القديس كيرلس الأسكندرى
جيلافيرا ( مختارات ) على سفر الخروج




ترجمة
د. جورج عوض إبراهيم

ذبيحة الحمل

ليس بأحد غيره الخلاص
       يستطيع المرء أنْ يعرف ـ بطرقٍ كثيرةٍ ـ أننا ننجو من قوة الموت بواسطة المسيح فقط، وهذا ما يؤكده لنا التلميذ الحكيم بقوله: " ليس بأحدٍ غيره الخلاص. لأن ليس اسمٌ آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس ينبغي به أن نخلُص" (أع4: 12). كما أن هناك آلاف من الصور المتألقة ـ في الكتاب المقدس ـ تقدم لنا هذا السر بكل وضوح.

اطلق شعبى
       إذن فلنمضي لنجمع هذه الشواهد التي تخدم هدفنا، حتى نُظهر هذا السر شارحين إياها فى حديثنا هذا.
       يقول الكتاب: " دخل موسى وهارون وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله إسرائيل أطلق شعبي ليعيِّدوا لي في البرية. فقال فرعون مَنْ هو الرب حتى أسمع لقوله فأُطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أُطلقه. فقالا: إله العبرانيين قد التقانا. فنذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف. فقال لهما ملك مصر لماذا يا موسى وهرون تبطِّلان الشعب من أعماله. اذهبا إلى أثقالكما" (خر5: 1ـ4).

إله العبرانيين يؤيد الشعب بالمعجزات
       يقول فرعون المغتاظ، وهو مليء بالغباء الشيطاني إنه لا يعرف مَنْ هو إله العبرانيين. لكن عندما بدأت الضربات على مصر بجروحٍ مستمرةٍ ومخيفةٍ، وأصابها التدمير تدريجيًا، مرةً بتحول المياه إلى دم، ومرةً أخرى بغمر الأرض بالجراد والبَرَد، وبظهور البعوض والضفادع، وأيضًا بحلول الظلام ثلاثة أيامٍ؛ كانت النتيجة أن فرعون أعطى وعدًا مباشرًا ـ بخلاف إرادته ـ بترك العبرانيين أحرارًا، وبرغم ذلك فإن قلب فرعون قد تقسى وأصبح أكثر صلادة وتجبُّر ورهبة بل ورفض تحرير الإسرائيليين من العبودية الطويلة.
ثم بعد ذلك أراد الله أن يرسل الملاك المُهلِك إلى أبكار المصريين. ولكن لأنه لا ينبغي أن يهلك المختارون مع الغرباء الدنسين، فإن الله قد وضع شريعة البصخة ـ محبةً للآباء ـ وأمر أن يُحتفَل بالفصح الذى يشير إلى سر المسيح قبل إعلان غضبه على أبكار المصريين. ومن هذا الأمر نستطيع أن نفهم أنه من المستحيل أن يُبطَل الموت بواسطة موسى والناموس. بل أن دم المسيح الكريم وحده هو الذى يُبعد المهلك ويحرر المُقدَّسين من فساد الموت. لأن المسيح هو الحياة من الحياة، وهو إله الكل، إذ أنه إلهٌ من إلهٍ.

خروف الفصح
       حسنًا يقول الكتاب المقدس:
" وكلَّم الرب موسى وهرون في أرض مصر قائلاً. هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة. كَلِّما كل جماعة إسرائيل قائلين في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء. شاةً للبيت. وإن كان البيت صغيرًا عن أن يكون كفوًا لشاةٍ، يأخذ هو وجاره القريب من بيته بحسب عدد النفوس. كل واحد على حسب أكله تحسبون للشاة" (خر12: 1ـ4).
       وبعدما أمرهم أن يأخذوا شاةً، يضيف ـ محددًا ـ نوع الذبيح، ومتى وأين يذبحونه؟ إذ يقول: " ويكون عندكم تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر. ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية. ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلونه فيها. ويأكلون اللحم تلك الليلة مشويًا بالنار مع فطير. على أعشابٍ مرةٍ يأكلونه. لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء بل مشويًا بالنار مع أكارعه وجوفه. ولا تُبقوا منه إلى الصباح. والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار" (خر12: 6ـ10).
       كما يضيف المُشرِّع مخبرًا إياهم عما ينبغي أن يكون عليه ملبسهم، وما هي الطريقة التي يأكلون بها الفصح في تلك العشية المقدسة؛ لأنه يقول لهم: " تأكلونه وأحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعَجَلةٍ. هو فصحٌ للرب" (خر12: 11). في الفائدة المحققة نتيجة ذبح الخروف هى أكيدة، والمُشرِّع يعلنها قائلاً: " فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين. أنا الرب. ويكون لكم الدم علامةً على البيوت التي أنتم فيها. فأرى الدم وأعبر عنكم. فلا يكون عليكم ضربةً للهلاك حين أضرب أرض مصر" (خر12:12ـ13). وبعد ذلك يقول: " سبعةُ أيامٍ تأكلون فطيرًا. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم" (خر12: 15).
كما أنه يفرض عقابًا على مَنْ لا يشترك، إذ يقول: " ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس، وفي اليوم السابع محفل مقدس. لا يُعمل فيها عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمَل" (خر 12: 16).

التفسير الروحى لذبيحة الفصح
هذا إذن ما يقوله الكتاب المقدس، ونحن إذ نفحص هذه الأقوال، نضيف إليها شرحًا وافيًا يوضح ـ بأكثر من طريقة ـ أهمية كل قول على حدة، فى الإشارة لسر المسيح.

المسيح قدّس الكل من البداية
لقد تحدد وقت عمل التقديس في أثناء الشهر الأول من بداية العام؛ لأن بداية الكل هو المسيح (راجع كو1: 18)؛ لأن المسيحَ لم يكن حديث العهد، بل هو نفسه المولود قبل الأزمنة من الآب، وقد قدَّس كل الأزمنة التي صارت من البداية وحتى النهاية. لكن الاحتفال حُدِّد في شهرٍ من العصر الجديد (ملء الأزمنة)؛ لأن:     " الأشياء العتيقة ـ وفقًا لكلام بولس الطوباوي ـ قد مضت. هوذا الكلُ قد صار جديدًا" (2كو5: 17، إش43: 19)، وأُزهرت طبيعة الإنسان ـ ثانيةً ـ بالمسيح والكل صار جديدًا.

المسيح هو المُحرِّر
لقد أمر الله بكل هذا، في حين كان الإسرائيليون مازالوا عبيدًا يرزحون تحت سلطة المصريين، معبِّرًا بذلك ـ بطريقةٍ رمزيةٍ ـ عن أن نفس الإنسان لا يمكنها أن تنطلق تجاه التحرر من الخطية، أو الهرب من شهوة إبليس، والانفصال عن العالم، وصولاً إلى المدينة السماوية، إلاَّ بمحبة المسيح فقط للبشر.
وهذا هو ما قاله المسيح نفسه لليهود الحمقى: " الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن كل مَنْ يعمل الخطية هو عبدٌ للخطية. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد. أمَّا الابن فيبقى إلى الأبد. فإن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو8: 34ـ36)، كما قال أيضًا: " الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم" (يو6: 53)، ولا شك أن الصورة الرمزية لهذا الأمر يمكن أن نجدها في أرض الميعاد، تلك التي كان الإسرائيليون يسيرون إليها.

المسيح أتى فى الأزمنة الأخيرة
ونلاحظ أنَّ الخروف يوضع تحت الحفظ من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه لكي يُذبَح في المساء. وإذا تساءلنا عن سبب ذلك، وجدنا أن هناك دلالةً هامة لتلك الأمور. ما المشكلة لو أُخِذَ الخروف في اليوم الأول من الشهر؟ وما هو الهدف الذي شَرَّع الله لأجله أن يُحفظ الخروف لمدة خمسة أيام، ومن ثم يُذبَحُ في المساء؟ ولماذا بدأنا العدُّ من اليوم العاشر حتى الرابع عشر، حتى يكون الناتج خمسة أيام؟
فبالنسبة إلى أنَّه لا يجب أن يُؤخذ الخروف للحفظ من اليوم الأول للشهر، فهذا يدُل ـ رمزيًا ـ على أنَّ زمننا هذا، قد أتى مباشرة بعد أن كانت قد مرَّت قبلنا أزمنةٌ كثيرة وأجيالٌ طويلة، لم تخلو أبدًا من وجود الله. لأن فترة الخمسة أيام التي سبق أن أُشير إليها قُسِّمت بعد ذلك إلى خمس فترات زمنية. وهذا هو الأمر الذي اتضح من المثل الذي قاله المخلِّص: " فإن ملكوت الله يشبه رجلاً ربَ بيتٍ خرج مع الصبح ليستأجر فعلةً لكرمه. فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأى آخرين قيامًا في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم. فمضوا. وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين. فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحدٌ. قال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم" (مت20: 1ـ7).
هل وضح لك من هذه الأقوال أن زمننا هذا قد قُسِّم إلى خمس فترات؟ الفترة الأولى هي التي عاش فيها آدم، الأب الأول في الفردوس. والفترة الثانية كمثل "الساعة الثالثة"، ويقصد بها الزمن الذي عاش فيه نوح والذين كانوا معه. والفترة الثالثة هي مثل "الساعة السادسة" في المثَل وهي تُشير إلى الفترة الزمنية التي تبدأ بدعوة ابرآم لكي يعرف الإله الحقيقي. كذلك الفترة الرابعة هي أيضًا مثل "الساعة التاسعة"، ويُقصد بها الفترة التي عاش فيها موسى والأنبياء. أمَّا الفترة الخامسة أي "نحو الساعة الحادية عشر"، أي التي فيها ينتهي اليوم، ويصل الزمن الحاضر إلى نهايته، في هذا الزمن استأجر السيد المسيح الأمم الذين لم يكونوا قد دُعوا بعد من أي أحد آخر أثناء الفترات السابقة. لذلك أجاب هؤلاء الآخرون قائلين: " لم يستأجرنا أحد".
هكذا يؤخذ الخروف للحفظ في اليوم الأول من تلك الخمسة أيام، أي اليوم العاشر الذي يشير إلى بداية الزمن، ويُحفظ لآخِر الوقت، أي اليوم الرابع عشر ويُذبح في المساء، وهذا يجعلك تدرك أيضًا أن سر المسيح ليس أمرًا مستحدثًا، لكنه حُفِظَ بعلم الآب السابق من بداية خلق العالم (راجع أف3: 9)، غير أنه مات لأجلنا في الأزمنة الأخيرة.

المسيح هو نور العالم
       ولَمَا كان النور العقلي والإلهي لم يكن قد أشرق بعد؛ لأن الأرض كانت ما تزال غارقةٌ في ظلام الجهل، وقد لوَّث رؤساء هذا الظلام قلوب الجميع. لذلك عندما أتى المخلِّص قال: " أنا هو نور العالم" (يو8: 12، 9: 5)، وبما أن القديسون يُعتَبرون بمثابة مصابيح العالم التي تشع بكلمة الحياة، لذا كانوا جديرين أن يسمعوا قول المخلِّص: " أنتم نور العالم" (مت5: 14)، حتى يمكنهم أن ينيروا الذين في الظلمة.
ولسوف تندهش أيضًا عندما يتبين لك أن هذه الأقوال إنما تُشير إلى عملٍ سريٍ آخر. لأنه في اليوم الرابع عشر من الشهر يُذبَحُ الخروف، هذا اليوم يكون فيه القمر مُكتَملُ البهاء، وينير كل المسكونة بنورٍ خافت يأخذ في الأُفول تدريجيًا، إذ أن هناك تلاشيًا اضطراريًا لكل مجد أرضى. يمكننا أن نفهم هذه الأمور رمزيًا من كون الشيطان ـ باعتباره رئيس الليل (المساء)، والمُمجَّد في كل المسكونة (بالمجد العالمي) ـ على مثال القمر (لأن القمر خُلِقَ ليسود على الظلام) (تك1: 16)، وهكذا يضع الشيطان حكمته الزائفة كمثل نورٍ كاذبٍ في قلوب المُضَلَّلين، جاعلاً لمعان ذاته أكثر اكتمالاً، أما المسيح الذى مات لأجلنا ولأجل خلاصنا، فهو الحَمَل الحقيقي الذي رفع خطايا العالم (يو1: 29)، وأبطل مجد الشيطان الزائف. هذا المجد (الشيطانى) لابد وأن يتلاشى رويدًا رويدًا إذ تسير جموع الأمم صاعدةً نحو محبة الله وسلامه بإيمانهم بهذا العمل (السري) الخلاصى.
وقد تغنَّى سفر المزامير بهذا الأمر عندما قال عن المسيح:      " يُشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر" (مز72: 7). فبتجسد المسيح أشرق البر ـ حقًا ـ بواسطة الإيمان والسلام الوافر بالرجوع إلى الله. ثم أُبطِلَ رئيس الليل، أي الشيطان. لكن عليك أن تلاحظ أنه لم يقُل ـ ببساطةٍ ـ إنه سيُبطِل القمر، لكنه سيُبطَلُ بدلاً من آخر؛ لأن الواضح أن الشيطان كان قد أبطل الإنسان.

المسيح واحد ولا يقبل الانقسام
مكتوبٌ أيضًا: " يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء" (خر12: 3)؛ لأن المسيح هو كامل، حسب إيمان كل واحد منا، عندما تكون له شركة الروح القدس، ولا يُقسَّم كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو12: 4). وإن كان هناك بيتٌ عدد أفراده قليلون، ولا يستطيعون أن يأكلوا خروفًا، فليأخذ كل واحدٍ معه جاره الموجود بالقرب منه. أي أن أولئك الذين لا يمكنهم بمفردهم إدراك سر المسيح تمامًا، أو لا يستطيعون استيعاب سر المسيح لضعف عقولهم، عليهم أن يأخذوا جيرانهم كمعاونين ومساعدين لهم في الإيمان. لأن ما يتجاوز قدراتنا الذهنية، يمكننا أحيانًا أن نفهمه بواسطة إرشاد الآخرين. وذلك مثلما فعل الخصي الحكيم الذي سأل فيلبس ليرشده عن النبوة التي كانت تشير إلى المسيح فقال: " أطلب إليك عن من يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر" (أع 8: 34). أرأيت كيف أنه أخذ رأي جاره ـ لأن كلاً منا جارٌ للآخر، إذ أن كلمة الإيمان مشتركة، ونحن جميعًا نؤمن بالواحد ـ وعندما طلب الخصى هذا، صار مشاركًا للحَمَل العقلي، إذ طلب أن يعتمد مباشرةً وقد اعتمد فعلاً.
ويقول الكتاب عن "الشاةِ" أنها: " تكون صحيحة". حيث إنه ـ في المسيح ـ توجد كل الملامح (الخصائص) التي تتناسب مع الله. كما أعلن المُشرِّع أن تكون الشاةُ ذكرًا؛ لأنه هو الزارع الذي يزرع بذور معرفة الله داخلنا وكأنها أرضُ يفلِّحُها، مثل كلام الأنبياء الذي مهَّد البشريةَ لقبول الآب بعظات الإنجيل.
وبالإضافة لكل هذه التعليمات، لابد وأن يكون عمر الخروف عامًا لا أقل حتى لا يكون ناقصًا، ومن جهة أخرى فإنهم سوف يتممون الاحتفال بالفصح اللائق بالله كل عام، عندئذٍ يجنون ثمار خيرات الآلام.

المسيح هو الذبيحة التى بلا عيب:
مكتوبٌ أيضًا يأخذون الشاة من الخراف أو الماعز. والشاة بسبب أنه طاهرٌ وبرئٌ يعتبر ذبيحةً بحسب الناموس، بينما يُقدَّم الماعز على المذبح لأجل خطايانا. وهذا هو ما سوف تجده بالتأكيد في المسيح، فهو نفسه كان ذبيحةً بلا عيب إذ قدَّم ذاته لله أبيه كرائحةٍ ذكيةٍ، وكشاةٍ، ذُبِحَ بسبب خطايانا.

فاعلية دم المسيح
كما أمر المُشرِّع أن يدهنوا القائمتين والعتبة العليا للمنازل بدم الحمل، قاصدًا بذلك الإشارة إلى أنه بدم المسيح المقدس والكريم نؤمِّن مسكننا الأرضي، أي الجسد، طاردين منه الموت الذي هو نتيجة العصيان، بالحياة التي نتشارك فيها. وفي نفس الوقت نُسبب الاضطراب للشيطان المهلك، إذ بمسحة الدم نطرد بعيدًا الشيطان الذي يريد بنا شرًا مُبعدين بعيدًا الشهوات والأهواء الجسدية.
أمَّا "أبواب" بيوتنا، فهي حواسنا التي من خلالها نراقب نوعية الأمور التي تدخل قلوبنا، إذ يتسلل داخلنا ـ من خلالها ـ حشدٌ غير محصى من الرغبات. ولقد دعى النبي يوئيل الحواسَ أبوابًا قائلاً: " يتراكضون في المدينة، يجرون على السور، يصعدون إلى البيوت، يدخلون من الكُوى كاللص" (يؤ2: 9)؛ فى نبوة عن تلك التى لم تُدهن بدم المسيح.

التناول من جسد المسيح ودمه والتبشير بموت المسيح وقيامته
كما أمر الكتاب أن تؤكل اللحوم في ذات الليلة، أي هنا في الحياة الحاضرة.لأن بولس وصفها هكذا قائلاً: " قد تناهى الليل وتقارب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور" (رو13: 12)، داعيًا بوضوح لهذه الحياة التي ينيرها المسيح نفسه. هكذا يوصي أن نأكل اللحوم أثناء فترة حياتنا في هذا الدهر؛ لأنه بقدر ما نصير مشاركين المسيح بطريقةٍ روحيةٍ ومحسوسةٍ ـ أثناء وجودنا في هذا العالم ـ بتناول الجسد المقدَّس والدم الثمين، بقدر ما نصل إلى يوم قوته كما هو مكتوب (مز110: 3)، وبقدر ما نصعد إلى بهاء القديسين، نتقدس أيضًا بطريقةٍ يعرفها معطي ومانح الخيرات العتيدة.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإن التناول من جسده المقدَّس، ومن دمه الكريم، يعني الاعتراف بالآم المسيح وموته الذي صار لأجلنا بالتدبير. لأنه هو نفسه قال لعارفيه حين حدَّد نواميس السر: " فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1كو11: 26).
وباشتراكنا في الأمور التي أشرت إليها توًا ـ أثناء هذه الحياة الحاضرة ـ فإننا بالفعل نكرز بموت الرب، لكن عندما يأتي بمجد الآب، عندئذٍ لا نقدم له اعترافنا بموته، بل سوف نعرف الله بكل وضوح " وجهًا لوجه" كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو13: 12). إذ يقول: " عالمين أن المسيح بعدما أُقيم من الأموات لا يموت أيضًا. لا يسود عليه الموت بعد" (رو6: 9)، كما يقول أيضًا: " إذًا نحن من الآن لا نعرف أحدًا حسب الجسد. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد" (2كو5: 16). لأننا عند ذاك سوف نعرفه بأكثر وضوح، ليس من جهة أنه أخلى ذاته عندما صار إنسانًا، لكن كإلهٍ حقيقيٍ أنهى تدبير الله الخلاصي. عند ذلك تبطل الأقوال عن التجسُّد، وتأتي المعرفة الأسمى، ويشرق علينا بمعرفة الخلاص الإلهية من جانبه، تلك التي يعبِّر عنها بواسطة مجده اللائق.

ضرورة أن نكون حارين بالروح وأنقياء فى التصرف
نقرأ أيضًا أن الخروف يؤكل مشويًا بالنار؛ لأن أولئك الذين يشرعون في فهم سر المسيح، يجب أن يكونوا حارين روحيًا، ولذلك ينصحنا الرسول أن نكون هكذا (راجع رو12: 11).
كما يأمرهم أيضًا أن يأكلوا فطيرًا (خبز بلا خمير) على أعشابٍ مُرةٍ معلنًا بطريقةٍ رمزيةٍ أن الذين صاروا مشاركين للمسيح، عليهم أن يتغذوا على اشتياقات نقية لا خمير بها، وأن يعتادوا على التصرف النقي والخالي من الشر، غير هاربين من التجارب المؤلمة وفق المكتوب: " يا بنيَّ، إن أقبلت لخدمة الرب فاعدد نفسك للمحنة. أرشد قلبك وأصبر ولا تكن قلقًا في وقت الشدة" (حكمة يشوع بن سيراخ2: 1ـ2).

الإيمان المستقيم بالمسيح
ويقول أيضًا: " لا تأكلوا منه نيئًا" (خر12: 9). ماذا يعني بقوله هذا؟ الأكل النيئ لا يمضغ ولا يهضم، وهو يشير إلى الذين لا يفحصون الكلمة بتدقيق ليجدوا المسيح. أمَّا أولئك الذين يبحثون بتدقيق، فإنهم "يطهون" الكلمة ويتذوقونها وفق ما قاله داوود النبي:    " عند لهجي بكلامك اشتعلت النار" (مز39: 3).
كذلك منعهم من أن يأكلوا اللحم مطهيًا في الماء، معلنا بذلك أن الفكر الكاذب والمنحل عن المسيح لا يعتبر غذاءً مناسبًا لعقول المؤمنين. وما الاعتقاد الكاذب عن المسيح، إلاَّ عدم الإيمان بأنه هو الله بطبيعته، أو أن يضعوا المسيح ضمن المخلوقات، وهو الأمر الذي لم يتردد البعض في إتيانه نتيجة جهلهم. وبينما يجمعون ويحرّفون تفسير الشواهد التي قيلت ـ بحسب التدبير ـ عن تأنُّسه، يجعلونها غذاءً لكفرهم الذي يسكن في داخلهم.
ومعنى قوله: " لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء، بل مشويًا بالنار" (خر12: 9)، هو أن الكلام عن إلوهيته كلامٌ حارٌ، وليس فيه شيء باردًا أو كاذبًا وفق قول المزمور: " كلمتك ممُحصة جدًا وعبدك أحبها" (مز 119: 14).

الاستنارة بمعرفة المسيح الكاملة
كما أمر أيضًا أنْ يؤكَل رأسه مع أكارعه وجوفه، مريدًا لهم أن يحتووا داخلهم المعرفة الكاملة لسره.
 لأنه ينبغي ـ قبل كل شئ ـ أن يعرفوا أن الكلمة كان فى الآب ومع الآب منذ البدء إذ أنه هو الله بالفعل، أي كان هو بداية كل سر كالرأس. وثانيًا، وبما أنه الله، فإنه سوف يأتي ثانيةً كديّان لكي يتمّم خطة خلاصه لأجلنا، وهذا هو ما تشير إليه الأرجل التي هي حقًا نهاية الجسد. أمَّا الجوف، فيشير إلى الكلمة المتأنِّس المختفي فينا (داخلنا). إذن هذه الأقوال تُصِّور الإيمان كله، وبهذه المعرفة يتصوَّر المسيح فينا كاملاً، عندئذٍ يمكنني أن أؤمن بما يقوله يوحنا:    " الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء" (رؤ1: 8).

الحث على عدم التباطؤ عن الاستنارة بالروح القدس
ومن ثمَّ، يأمر المُشرِّع قائلاً: " ولا تبقوا منه حتى الصباح" (خر12: 10)، معيقًا بهذا كما يبدو ـ بطريقة رمزيةٍ ـ محاولات التأجيل غير الصالحة التي تُسهم في عدم فهم السر كما يجب من جانب البعض. لأنه يقول لا تؤجِّل المعرفة الحقيقية والتامة عن المسيح، ولا يجب أن يتباطأ البعض في المشاركة التامة في فرح نهاية الأزمنة، فطالما آمنوا فليكملوا شركتهم. وهذا هو ما كان يفعله أولئك الذين كانوا قد قبلوا كلمة الوعظ وتعليم المسيح، لكنهم كانوا يتكاسلون من جهة نوال الروح القدس ونعمة المعمودية مؤجلين ذلك حتى يكبروا في السن. إن هذا التأجيل يمكن أن يجلب عليهم ضررًا كبيرًا غير متوقع، خاصةً لو نجح المرء منهم في تحقيق هذه الرغبة (أي تأجيل المعمودية حتى الأيام الأخيرة لحياته)، فرجاؤه ليس آمنًا. إذن، فمن يأكل حتى النهاية يتقدَّس بالتأكيد، وينال أيضًا غفرانًا لخطاياه، ويقدِّم لسيده الوزنة التي أُعطيت له دون أية تحفظات عليها.

عقائد ثابتة مثل عظام لم تُكسر:
       ويقول: " والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار. ولا يُكسرُ له عظم" (خر12: 10س)؛ لأن العظم لا يؤكل بأسناننا، وشيءٌ مثل هذا يذكِّر أذهان البشر بالكلمة الأزلى. إنه الابن، وهو الابنُ بالطبيعة، وقد وُلِدَ من الله الآب، ونحن نؤمن به، دون أن نفتش أو نبحث عنه وذلك وفقًا لكلام النبي القديس؛ " لأن من يعرف طريقة ولادته؟ من يصف مولده؟" هكذا صرخ النبي (إش53: 8 س).
إذن، عن عدم كسر العِظام، يُشير إلى ثبات العقائد التي تفوق العقل. فهذه العقائد (العِظام) يحرِّم المُشرِّع سحقها، لكن الهراطقة، أولئك الذين يحرِّفون الحق قد سحقوها تمامًا في ذواتهم؛ لأنهم ـ إذ يعانون من طيش التفكير وعدم البصيرة ـ مصممون على الانشغال بطريقة الولادة الإلهية غير الموصوفة، ولا يقبلون عقليًا ما كُتِبَ:    " من الذي يحصي رمل البحر وقطرات المطر وأيام الأبد؟" (حكمة سيراخ1: 2). هذا ما نتجنبه نحن ـ بحكمة ـ رافضين كسر عِظام الخروف، بل نقبل بالإيمان، تلك التعاليم التي هي أسمى وأعظم من قدراتنا. ومن الأهمية بما كان أن نتذكَّر أن هذا المكتوب قد طُبِّق حرفيًا على مخلصنا، حيث إن جنود بيلاطس لم يكسروا هيكله العظمي وفق ما كتبه يوحنا (راجع يو19: 33ـ36).

استنارة الدهر الآتى
       ويقول: " والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار"، فالصباح يشير إلى استنارة الدهر الآتي، وقتذاك سنرى وجهًا لوجه ملكنا وإلهنا، ليس مثل الآن في "الحياة الحاضرة" من خلال الرمز والظلال والمرآة كما يقول بولس (راجع 1كو13: 12). إذن، فحرق ما تبقى من الخروف إلى الصباح، يشير إلى تواري وانزواء الطريقة الرمزية والتصويرية بسبب سطوع المعرفة الأكثر لمعانًا.
كذلك أمرهم قائلاً لتكن: " أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعجلةٍ. هو فصحٌ للرب" (خر12: 11)، وكونهم يلبسون حزامًا على وسطهم، يرمز إلى سرعة التصرف والحيوية، وذلك مثل ما قاله الله لأيوب البار: " أشدّد الآن حقويك كرجلٍ" (أيوب 38: 3)، وكما قال لنبي آخر: " ويكون البر حزام حقويه والأمانة حزام خصره" (إش11: 5 س)، أي ليكون سريعًا وشجاعًا تجاه البر.

الاستعداد والصبر والرجاء
       ويرمز الحذاء إلى استعداد الإرادة للسير بدون إبطاء تجاه ما يريده الله. لأن بولس بنفس الروح قال: " وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام" (أف6: 15). كذلك يقول الله: " فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك" (تث10: 12).
والعُصي في الأيدي ترمز إلى الرجاء الذي يعضدنا، وتعطينا الصبر طبقًا لما نجده عند الأنبياء: " فليتكل على اسم الرب ويستند إلى إلهه" (إش5: 10).
ويأمر المُشرِّع أيضًا أن يؤكل اللحم بعجلة، وهذه إشارة واضحة إلى أن الذى يتبع المسيح لا يجب أن يكون كسلانًا، أو عنده لا مبالاة من جهة الأعمال الصالحة، لكن عليه أن يكون قويًا وحارًا من جهة استعداده للأعمال المفيدة والصالحة. تأمَّل ـ من فضلك ـ ما يقوله بولس الطوباوي: " ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أمَّا أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى وأمَّا نحن فإكليلاً لا يفنى" (1كو6: 24 - 25). لا بد أن انتهز هذه الفرصة لأقول إن الإنسان الذي تقدَّس بواسطة المسيح، يجب أن يكون نشيطًا لا خاملاً أو غير مبالٍ، بل عليه أن يلبس ملابس الرحالة، وبذلك يشير إلى أمرين: الأول، هو أن هذه الملابس تشير إلى أن الذى يتبع المسيح عليه أن يُسرع تجاه الحق. والثاني، هو الإشارة إلى أنه يجب عليه أن يُسرع إلى عمل الخير والصلاح وممارسة الفضيلة تاركًا ملذات العالم الشريرة.

الفصح هو عبور من الحياة الحاضرة إلى حياة الدهر الآتى
       ويسمي المُشرِّع كل ما قاله بشأن ذبيحة الحمل: " إنه فصحٌ للرب" (خر12: 11)، أي العبور من الحياة الحاضرة إلى المدينة التي يُسرُّ بها الله. ويُظهِر لهم الفائدة العظيمة التي سوف ينالونها عند إتمام هذه الذبيحة وهى الوعد بأن يحميهم من الهلاك، بينما يُهلك كل بكر من المصريين. وفي الوقت الذي يأكلون فيه الحمل، يكون دمه علامةً يحتموا فيه من الضربات التي ستحل في بلاد مصر. لأن الله يعاقب العنيد والعاصي وغير المشارك للقداسة التي يمنحها المسيح، بينما يجعل الممسوحين بدم الحمل الحقيقي مستحقين للعناية الصالحة من جانبه، لذا هو لا يترك المؤمنين المقدسين ليهلكوا مع غير المؤمنين، بل يمنحهم محبةً فائقةً.

حياة النقاوة
أخيرًا يأمر أولئك الذين أكلوا الحمل المقدس، أن يغتذوا لمدة سبعة أيام بفطير، (أي خبزًا غير مختمِرٍ)، مشيرًا بذلك ـ كما يبدو ـ إلى أن الذين تقدَّسوا بواسطة المسيح سوف يتغذون على رغبات طاهرة ويبتعدون عن أي شرٍ. ويقول: " ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس وفي اليوم السابع محفل مقدس" (خر 12: 21)، لأن زمن الخلق في البداية مقدَّسٌ هو؛ لأن آدم الأب الأول لم يكن قد ابتعد بعد عن الفردوس بسبب عصيانه، لكنه كان يعيش الفردوس في داخله، وقد طبَّق الوصية التي أُعطيت له. وزمن الأيام الأخيرة هو زمن التقديس؛ لأن المسيح يُبرّر ـ في هذا الزمن ـ أولئك الذين يأتون إليه بالإيمان، ويحضرهم مرةً ثانيةً هناك حيث كنا في بداية الخليقة.

إذن لقد أشارت كل هذه الأقوال مسبقًا لسر مخلصنا يسوع المسيح. لذلك قال المسيح نفسه لليهود: " لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني" (يو5: 46).