الأربعاء، 18 مارس 2015

الصليب هو فخرنا


العظة الثالثة عشر للمؤمنين حديثًا[1]

” صُلِب وقُبر ”

للقديس كيرلس الأورشليمي

ترجمة د جورج عوض

الصليب هو فخرنا

 

1ـ صليب الرب هو فخرنا العظيم

       إن كل عمل فعله المسيح هو بمثابة فخر للكنيسة الجامعة، لكن أكثر الأعمال فخرًا هو صليبه. وبولس الرسول يعرف هذا الأمر، لذا قال: " وأما من جهتى فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح " (غلا14:6).

       لأنه كان أمرًا عجيبًا أن يرى المولود أعمى في بركة سلوام (انظر يو7:9)، لكن هذا الأمر العجيب والمدهش لم يحمل أى فائدة لعميان المسكونة كلها. وكان بالتأكيد أمرًا مدهشًا وعظيمًا وفوق طبيعي، أن يقوم لعازر بعد أربعة أيام من موته، لكن نعمة القيامة قد انحصرت فقط فيه. وأتساءل ما هى نتيجة قيامته على الذين كانوا أمواتًا بالخطايا في كل المسكونة؟ أيضًا لهو أمر عجيب أن يُطعِم المسيح خمسة آلاف نفس من خمس خبزات (انظر مت21:14)، لكن ما نتيجة هذه المعجزة بالنسبة للذين يجوعون جهلاً ـ جهل معرفة الله ـ في كل المسكونة؟ (انظر عا11:8).                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    كذلك أمر عجيب أن تنحل المريضة المربوطة منذ ثمانية عشر عامًا من الشيطان وتنفك قيودها، لكن ما نتيجة ذلك بالنسبة لنا نحن المقيدون بشدة بحبال خطايانا؟ (انظر أم22:5).

2ـ مات المسيح لأجلنا على الصليب وفدَّى كل العالم، لأن الذي مات لأجل الجميع لم يكن مجرد إنسان بل ابن الله وحيد الجنس. إن كانت الخطية تمكنّت بإنسان واحد ـ آدم ـ أن تحمل الموت إلى العالم، أي بخطية الإنسان الواحد ـ آدم ـ ساَّد الموت على العالم، كيف لا تملك الحياة بالأكثر ببر الإنسان الواحد ـ المسيح؟ (انظر رو17:5).

       وإن كان الأبوين الأولين طُردا من الفردوس بسبب أنهما أكلا من ثمار الشجرة (انظر تك24:3). فكم بالحري يدخل بسهولة كل الذين يؤمنون إلى الفردوس بفضل شجرة صليب يسوع؟

       إن كان المخلوق الأول من الأرض جلبَّ الموت إلى كل المسكونة، كيف لخالقه الذي كوّنه من الأرض (راجع تك2) لا يُحضِر الحياة الأبدية، إذ أنه الحياة؟ (يو6:14).

       إن كان فينحاس الذي قتل ـ من  غيرته ـ الذي فعل أفعالاً قبيحة وأوقف غضب الله (راجع عد11:8)، أليس المسيح الذي لم يقتل أحدًا بل أعطى ذاته فدية (انظر 1تيمو6:2) لا يستطيع أن يُزيل الغضب المضاد للبشر؟

ذبيحة المسيح على الصليب أبطلت كل الذبائح ومنحت الخلاص

       إذًا دعونا لا نخجل من صليب المخلّص بل بالحري نفتخر به. لأن الإفتخار بالصليب هو عثرة لليهود وجهالة للأمم (انظر 1كو18:1ـ23)، لكن بالنسبة لنا هو خلاص إذ بالنسبة لأولئك الذين يتبعون طريق الهلاك هو جهالة، أما بالنسبة لنا نحن الذين خلصنا هو قوة الله (انظر 1كو18:1). لأنه لم يكن المسيح مجرد إنسان مات لأجل كل البشر بل هو ابن الله الذي تأنس.

       إن كان في زمن موسى طَرد حمل الفصح الملاك الذي أراد أن يُهلك البشر ـ بعيدًا (انظر خر23:12)، ألا يُحرّر بالأكثر حمل الله، المسيح، الذي يرفع خطية العالم، من الخطايا؟ أيضًا إن كان دم الحمل غير العقلي منَّح نجاة، ألا يخلص بالحري جدًا دم ابن الله وحيد الجنس؟

       إن كان أحد لا يؤمن بقوة المسيح الذي صُلِب، فليرى ما صار للشياطين. إن كان المرء لا يؤمن بالأقوال، فليؤمن من جراء الأمور التي ظهرت عيانًا. كثيرون في كل المسكونة صُلبوا، لكن ولا واحد من هؤلاء أخافوا الشياطين، بل بمجرد أن يروا علامة صليب المسيح الذي صُلِب لأجلنا يرتعدون خوفًا. هذا صار لأن الآخرون ماتوا على الصليب بسبب خطاياهم، أما المسيح فمن أجل خطايا الآخرين. لأنه يقول: " الذي لم يفعل خطية ولا وُجِد في فمه مكر " (1بط22:2). وليس بطرس فقط يقول هذا، حتى لا يرتاب أحد ظانًا أنه يتفضل على معلّمه، إذ أن إشعياء النبي يقول هذا الأمر، إشعياء، الذي لم يكن حاضرًا جسديًا مع المسيح، قد رأى مقدمًا مجيء المسيح كإنسان (انظر إش9:53). ولماذا أقدم الآن شهادة النبي؟ خُذ شهادة بيلاطس الذي حكم عليه، يقول: " لم أجد في هذا الإنسان عِلة مما تشتكون به عليه " (لو14:23). وبينما هو يُسلّمه ليُعاقب ـ بعد أن غسل يديه ـ قال: " إني بريء من دم هذا البار " (مت24:27). يوجد شهادة أخرى من المسيح البار، الذي لم يفعل خطية، شهادة اللص الذي هو أول مَن دخل الفردوس، والذي وبّخ اللص الآخر، وقال له: " أما نحن فبعدلٍ لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله " (لو41:23).

 

4ـ المسيح خلّصنا بالحقيقة وليس ظاهريًا لأن موته كان موتًا حقيقيًا:

       لقد تألم المسيح بالحقيقة لأجل كل البشر، فالصليب لم يكن خياليًا، إذ يترتب على ذلك أن الفداء سيكون خياليًا. لن يكون الموت خيالي، لأنه سيكون الخلاص أيضًا أسطورة. لو كان الموت خياليًا، فأولئك، الذين قالوا " قد تذكرنا أن ذلك المُضِل قال وهو حيّ إني بعد ثلاثة أيام أقوم " (مت63:27) هم على حق. إذًا الألم كان حقيقي لأنه حقًا صُلِب المسيح ولا نخجل من هذا الأمر. لقد صُلِب ولا أنكر المصلوب بل بالحري أفتخر وأنا أقول هذا. وإذا أنكرته الآن فإن الجلجثة، التي نحن مجتمعين بالقرب منها، تقنعني. أيضًا تقنعني خشبة الصليب التي وُزعت قطعة ـ قطعة على كل المسكونة. أعترف بالصليب لأني أؤمن بالقيامة. لأنه لو ظل مصلوبًا ولم يقم لما كنت أعترف بها، وكنت سوف أخفيها مع سيدي. لكن لأن القيامة أعقبت الصليب لا أخجل من الإفصاح عنه.

 

5ـ المسيح الذي تألم على الصليب كان بلا خطية في كل شئ:

       هكذا صُلِب كإنسان مثلنا لكن ليس بسبب خطايا إقترفها، لأنه لم ينقاد إلى الموت من جراء محبته للفضة، لأنه كان يُعلم بعدم التملك، ولا حُكم عليه بسبب شهوة جسدية لأنه هو الذي قال بكل وضوح: " إن كل من ينظر إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه " (مت28:5). ولا لأنه بوقاحة تشاجر أو ضرب أحد، إذ أنه أدار خده الآخر إلى الذي ضربه (انظر مت39:5، 7:26). ولا احتقر الناموس، إذ كان متممًا له. ولا استهزأ بأى نبي، لأن الأنبياء قد سبق وتنبأوا عنه. ولا أخذ أجرًا من أحد، إذ كان يشفي بدون أجرٍ أو مكافأة. لم يُخطئ بالأقوال ولا بالأعمال ولا بالأفكار " الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر. الذي إذ شُتم لم يكن يُشتم عوضًا. وإذ تألم لم يكن يُهدد بل كان يُسلّم لمن يقضي بالعدل " (1بط22:2ـ23). لقد تألم بإرادته. وحين توسّل إليه أحد وقال:             " حاشاك يا رب. لا يكون هذا " (مت22:16)، قال له: " اذهب عني يا شيطان " (مت23:16).

 

6ـ المسيح مات بإرادته لذلك كان الصليب مجده:

       وهل تريد أن تقتنع أنه أتى إلى الألم بإرادته؟ كل البشر الآخرين لا يعرفون تمامًا متى يموتون، لذا هم يموتون بدون إرادتهم. لكن المسيح قال مقدمًا: " ابن الإنسان يُسلّم ليُصلب " (مت2:26). وهل أدركت لماذا لم يتجنب مُحب البشر الموت؟ لكي لا  يهلك العالم في خطاياه. لقد قال: " ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يُسلّم " (مت18:20)، إذ مكتوب أيضًا: " ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم " (لو51:9).

       هل تريد أن تعرف جيدًا أن الصليب هو مجد يسوع؟ لقد سمعته يتحدث وليس أنا، حين خان يهوذا وأنكر عرفان سيده. لقد خرج من المائدة وبدلاً من أن يتبارك بشراب الخلاص شرّع في أن يسكب دم البار: " الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليَّ عقبه " (مز9:41) وبينما هيأ نفسه ليخون المسيح لأجل المال، قال له المسيح: " أنت قلت " (مت25:26) أي أنت قلت أنك خائن، خرج بعدها لكي يخونه. ثم بعد ذلك قال المسيح: " قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان " (يو23:12). وهذا لا يعني أنه قبل ذلك لم يكن له مجد، لأنه كان ممجدًا بالمجد الأبدي، وبكونه إله كان ممجدًا دائمًا، ولم يمت إذ ذبحوه عنوة، بل كل ما صار له حدث بإرادته. اسمع ماذا قال:    " لم يكن لك عليّ سلطان البتة " (يو11:19) لأنني بإرادتي سوف أقدم ذاتي ذبيحة واغفر للأعداء لأنني إن كنت لا أريد أن يحدث هذا لما كان حدث شيئًا مما حدث.

       إذًا لقد أتى مهيئًا ذاته ومستعدًا للأم، مسرورًا لتتميم هذا الحدث لابسًا تاج الشوك وهو مملوء بالسرور من أجل خلاص البشر، لم يخجل من عار الصليب لأن به خلّص المسكونة. هذا الذي تألم لم يكن مجرد إنسانًا مهمشًا بل كان الله الذي تأنس متسلحًا بالصبر من أجل الجهاد الموضوع أمامه.

 

7ـ رفض اليهود المصلوب إذ صار الصليب عثرة بالنسبة لهم، وهكذا أُعطيت النعمة إلى الأمم:

       لقد اعترض اليهود، هؤلاء الذين هم دائمًا متأهبون للإعتراض وخاملون من جهة الإيمان، لدرجة أن النبي إشعياء قال: " مَن صدّق خبرنا " (إش1:53). ياللعجب، الذين هم من أهل فارس يؤمنون، بينما اليهود لا يؤمنون " الذين لم يخبروا به سيصبرون والذين لم يسمعوا سيفهمون " (رو21:15)، اليهود الذين يدرسون الكتب المقدسة يناقضون ما يدرسونه هؤلاء يعترضون قائلين: بناء على ذلك هل تألم الرب؟ هل الأيدي البشرية هى أقوى كثيرًا من سلطانه؟ اقرأ مراثي إرميا ـ لأنه وهو يرثي لحالكم بسبب الأمور الجديرة بالرثاء، رأى دماركم وشاهد سقوطكم ورثى وقتذاك أورشليم لأن أورشليم الحالية لا تحتاج إلى رثاء. لقد صلبته أورشليم القديمة، أما الحالية فهى تعبد المسيح. لقد رثاها قائلاً: " نفس أنوفنا مسيح الرب أخذ في حفرهم " (مراثي إرميا 20:4).

       هل أنا ابتدعت شيئًا من هذه الأقوال، ها هو النبي يشهد للمسيح الرب الذي قُبض عليه من البشر. وما هى النتيجة؟ أخبرني أيها النبي. يقول النبي: " في ظله نعيش بين الأمم " (مراثي إرميا 20:4). ليس بعد في إسرائيل. لقد أراد أن يقول من الآن فصاعدًا سوف لا تُعطى نعمة الله للشعب الإسرائيلي بل للأمم.



[1] ΒΕΠΕΣ 39, 152-171

الخميس، 15 يناير 2015

الظهور الإلهي للقديس كيرلس الإسكندري

ظهور الرب وقت المعمودية

للقديس كيرلس الإسكندري[1]


لو21:3ـ23 : " وحدث أنه لما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا ، وإذ كان يصلي انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة ، وكان صوت من السماء قائلاً : أنت ابني الحبيب بك سررت . ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة " .

          هيا بنا أيضًا ، لكي نركز أذهاننا عن قصد على الكتب الإنجيلية ، وذلك لكي ننظر جمال الحق . تعالوا بنا ولنوجه عيون عقولنا الفاحصة المدققة نحو سر المسيح ، ولننظر بدهشة مهارة التدبير الإلهي العجيبة : فإننا بهذا سنري مجده . وعندما نعمل هذا فإنه يهبنا حياة لنفوسنا، كما أكد لنا هو نفسه حينما كان يتحدث إلى الآب السماوي بقوله " هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته " (يو3:17) . إذن فكيف أُرسل ؟ وما هي طريقة مجيئه إلينا ؟ لأنه إذ هو بالطبيعة الله الذي يملأ الكل ، فكيف كما يقول المبارك يوحنا الإنجيلي ، " إنه كان في العالم " (يو10:1) ، وهو نفسه الرب ؟ وكيف أُرسل من الآب ، في حين أنه كإله هو خالق كل الأشياء وحافظها ؟ لأن الأشياء قد تأسست بواسطته .

          إن الحكيم يوحنا الإنجيلي يعلمنا قائلاً : " والكلمة صار جسدًا " . ولكن ربما يقول أحد "ماذا إذن ؟ هل كف عن أن يكون هو الكلمة؟ وهل تغير الجسد ؟ هل سقط من جلاله ؟ وهل جرى له تحول إلى شئ لم يكن عليه سابقًا ؟ ". إننا نقول ليس الأمر هكذا ، حاشا من ذلك. لأنه بالطبيعة غير قابل للتغير . لذلك فبقوله " الكلمة صار جسدًا "(يو14:1) فإن الإنجيل يعنى أنه صار إنسانًا مثلنا . لأننا نحن أنفسنا أيضًا كثيرًا ما ندعى جسدًا ، لأنه مكتوب " ويبصر كل جسد خلاص الله " (إش5:40س) ويعنى به أن كل إنسان سيبصر خلاص الله ، لذلك فبينما هو يحتفظ بما كان عليه بدون تغيير ، إلاّ أنه إذ صار في حالتنا فإنه أخذ شبهنا ، ولذلك يُقال أنه قد صار جسدًا .

          أنظروه إذن كإنسان ، وهو يحتمل معنا الأمور التي تختص بحالة الإنسان ، أنظروه وهو يكمل كل بر ، لأجل خطة الخلاص . وهذا أنت تتعلمه مما يقوله الإنجيل : " وحدث أنه لما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا ، وصلى ". فهل كان هو أيضًا في احتياج إلى المعمودية المقدسة. وأية منفعة تحصّل له منها ؟ إن كلمة الله الوحيد هو قدوس من القدوس . وهكذا يدعونه السيرافيم في تسابيحهم ، وهكذا يدعوه الناموس في كل مكان ، ومحفل الأنبياء القديسين يتفقون في هذا مع كتابات موسى . ما الذي نحصل عليه نحن من المعمودية المقدسة ؟ واضح أنه غفران خطايانا . ولكن يسوع لم يكن فيه شئ من الخطية ، " لأنه لم يفعل خطية ولم يوجد في فمه غش " (1بط22:2) كما يقول الكتاب . " وهو قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات " (عب26:7) بحسب كلمات بولس الإلهي .

          ولكن ربما يقول أحد من غير المتدربين في الإيمان: "هل هو إذن كلمة الله الذي اعتمد؟. هل كان هو محتاجًا أن يصير مشتركًا في الروح القدس ؟ أبدًا بالمرة ـ لذلك فهذا هو ما نؤكده أن الإنسان الذي كان من نسل داود اتحد معه " بالمصاحبة " (suv£feia) هو الذي اعتمد ونال الروح" .

          إذن فأنتم قد قسمتم الغير منقسم إلى ابنين ، ولأنه اعتمد في سن الثلاثين سنة فقد صار مقدسًا بواسطة المعمودية كما تقولون . فهل هو إذن لم يكن مقدسًا إلى أن وصل إلى سن الثلاثين ؟ من الذي يوافقكم على هذا ، إذ أنتم تفسدون الإيمان المستقيم الذي بلا لوم ؟

          لأنه يوجد " رب واحد يسوع المسيح " (1كو6:8) كما هو مكتوب ، ولكننا نؤكد هذا : أنه لم يكن منفصلاً عنه ، وكان هو نفسه حينما اعتمد وصار مشتركًا في الروح القدس، لأننا نعرف أنه الله ، وبلا عيب ، وقدوس من قدوس ، لأننا نعترف أننا " من ملئه جميعًا أخذنا " (يو16:1) لأن الروح القدس ينبثق حقًا من الله الآب ، ولكنه " خاص بالابن أيضًا " (œsti dš kaˆ ‡dion toà Uƒoà). وكثيرًا ما يدعى " روح المسيح " (Pneàma Cpistoà)، رغم أنه منبثق من الآب . وهذا ما يشهد له بولس قائلاً: "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله ، أما أنتم فلستم في الجسد ، بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم . ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس للمسيح " (رو8:8،9) وأيضًا يقول : " بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا أيها الآب أبانا " (غل6:4) لذلك فالروح القدس ينبثق حقًا من الله الآب كما قلت ، ولكن كلمته الوحيد ، " لكونه بالطبيعة هو الابن حقًا " (æj fÚsei te kaˆ ¢lhqîj UƒÕj)، وهو يلمع بأمجاد الآب ، فإنه يعطيه (الروح القدس) للخليقة ، ويمنحه لأولئك الذين يستحقون . لذلك فقد كان حقًا ما قاله : " كل ما للآب هو لي " (يو15:16) .
          ولكننا نرد على أولئك الذين لا يقبلون الإيمان الصحيح ، بهذا السؤال : " كيف يستطيع ذاك الذي نال الروح ، ـ إن كان هو حسب قولكم ـ إنسانًا منفصلاً ومستقلاً بنفسه ، كيف يستطيع أن يُعمد بالروح القدس ويعطي الروح القدس للذين يعتمدون ؟ " . لأن القدرة مع غيرها من الصفات الأخرى هي خاصية مميزة لله القدير وحده . ولكن ذلك الذي أعطى الروح كان إنسانًا ، لأن يوحنا الحكيم يقول: " يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي . هو سيعمدكم بالروح القدس ونار " (يو3:1،لو16:3) فكما أنه غير لائق بالله الكلمة، بصفته الله الكلمة أن يقترب من المعمودية المقدسة ويصير مشتركًا في الروح، هكذا بنفس الطريقة فإنه لا يُصدق إطلاقًا ، بل بالحري أنه من المستحيل أن نؤمن بأن القدرة على تعميد الناس بالروح القدس هي من عمل مجرد إنسان لا يزيد عنا في أي شئ .
          كيف إذن يكون السر حقيقيًا ؟ إنه لأجل مساعدتنا اتخذ نوعًا من التكيّف . فالكلمة الإلهي صار إنسانًا ، كما يقول بولس الحكيم جدًا: " الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله ، لكنه أخذ صورة عبد صائرًا في شبه الناس " ، ووضع نفسه إلى الفقر. فابحثوا إذن ، من هو ذلك الذي كان أولاً في صورة الله الآب ، وهو في الحقيقة مساوٍ له ، ولكنه أخذ صورة عبد ، وحينئذ صار إنسانًا . وإلى جانب ذلك جعل نفسه فقيرًا . هل هو الذي من نسل داود كما يجادلون ، الذي يعتبرونه منفصلاً بنفسه كابن آخر ، مختلفًا عن كلمة الله الآب ؟ إن كان كذلك فدعهم يبينون متى كان مساويًا للآب ؟ دعهم يبينون كيف اتخذ صورة عبد ؟ أو ماذا سنقول عن ماهية صورة العبد تلك ؟ وكيف أخلى نفسه ؟ فهل يوجد ما هو أفقر من الطبيعة البشرية ؟ لذلك فالذي هو صورة الله الآب وشبهه والتعبير لواضح عن شخصه ، والذي يشع ببهاء في مساواة معه ، والذي هو بالطبيعة حر ، ونير ملكوته موضوع على كل الخليقة ـ هذا هو نفسه الذي اتخذ صورة عبد ، أي صار إنسانًا ، وجعل نفسه فقيرًا إذ رضى أن يحتمل هذه الأمور البشرية ماعدا الخطية .

          إنهم يعارضون قائلين : ولكن كيف اعتمد ونال الروح أيضًا ؟ فنجيبهم ، إنه لم يكن محتاجًا للمعمودية المقدسة إذ هو كلي النقاوة وبلا عيب ، وقدوس من قدوس. كما أنه لم يكن محتاجًا للروح القدس ، لأن الروح المنبثق من الآب ومساوٍ له في الجوهر . ولذلك يجب أن نستمع الآن إلى شرح التدبير أي خطة الله : إن الله في محبته للإنسان زودنا بطريق للخلاص والحياة . لأننا بالإيمان بالآب والابن والروح القدس وباعترافنا بهذا الإقرار أمام شهود كثيرين ، فإننا نغسل كل وسخ الخطية ونغتني بالحصول على الروح القدس " ونصير شركاء الطبيعة الإلهية " (kaˆ qe…aj fÚsewj ¢poteloÚmeqa koinwnoˆ) (2بط4:1) ، وننال نعمة التبني . لقد كان ضروريًا إذن أن كلمة الآب حينما وضع نفسه إلى الإخلاء وتنازل ليتخذ شكلنا ، كان ضروريًا أن يصير من أجلنا نموذجًا وطريقًا لكل عمل صالح . فالذي هو الأول في كل شئ ينبغي أيضًا أن يضع نفسه مثالاً في هذا. لذلك فلكي نعرف قوة المعمودية المقدسة نفسها والنعمة العظيمة التي نحصل عليها بالإقبال إليها، فإنه يبدأ هذا العمل (المعمودية) بنفسه ، وحينما اعتمد صلي لكي تتعلموا أنتم يا أحبائي أن " الصلاة بلا انقطاع " (¹ di£leiptoj proseuc») هي أمر مناسب جدًا لأولئك الذين حُسبوا أهلاً للمعمودية المقدسة .

          ويقول الإنجيلي أن السماء قد انفتحت كما لو كانت مغلقة طويلاً . وقد قال المسيح : "من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو51:1) لأن الجمهور الذي فوق والجمهور الذي تحت قد صار الآن واحدًا ، وصار رئيس رعاة واحد للكل ، والسماء قد انفتحت والإنسان على الأرض جُعل قريبًا من الملائكة القديسين . والروح أيضًا نزل ، إذ " كبداية ثانية لجنسنا " (æj ™n ¢parcÍ toà gšnouj ¹mîn deutšrv) جاء على المسيح أولاً الذي ناله ليس لأجل نفسه ، بل لأجلنا ، لأننا بواسطته (المسيح) وفيه نغتنى بكل الأشياء . لذلك فإنه من المناسب جدًا لتدبير النعمة أن يحتمل معنا الأمور الخاصة بحالة الإنسان، وفي أي وضع آخر سنراه في إخلاء ، ذلك الذي بطبيعته الإلهية هو الملء نفسه؟، وكيف صار فقيرًا مثلنا إن لم يتطابق مع فقرنا ؟ وكيف أخلى نفسه إن كان يرفض أن يحمل مقاييس صغر الإنسان ؟ .

          لذلك ، فإذ قد اتخذنا المسيح كمثال لنا ، فلنقترب من نعمة المعمودية المقدسة ، لكيما نحصل على دالة الصلاة بلا انقطاع، ونرفع أيادي مقدسة إلى الله الآب ، لكي يفتح السماء علينا نحن أيضًا ، ويرسل علينا الروح القدس ، ولكي يقبلنا كأبناء . لأنه تحدث إلى المسيح في وقت المعمودية المقدسة، كما لو كان قد قبل الإنسان بواسطته وفيه البنوة قائلاً " هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت " . فالذي هو الابن بالطبيعة والحق ، وهو الوحيد الجنس ، فإنه حينما صار مثلنا أعلن خاصة أنه ابن الله ، لا كأنه ينال هذا لنفسه ـ لأنه كما قلت أنه كان ولا يزال دائمًا هو الإله الحقيقى ـ ولكن يعطى المجد لنا نحن ـ لأنه قد جُعل " باكورتنا " (¢parc¾)، "والبكر" (prwtÒtokoj)، "وآدم الثاني " (deÚteroj 'Ad£m) ، ولهذا السبب كتب أن " كل الأشياء قد صارت جديدة فيه " (2كو15:5) . لأننا إذ قد خلعنا القِدم الذي كان في آدم ، فقد حصلنا على الجدة التي في المسيح ، الذي به ومعه ، لله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين .



[1] العظة (11) على تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندرى . وقام بالترجمة دكتور نصحى عبد الشهيد عن الإنجليزية من كتاب :
 Commentary on the Gospel of Saint Lucke by Saint Cyrill, Patriarch of Alexandria, U.S.A. 1983

السبت، 9 أغسطس 2014

لقب والدة الإله والفرق بين السُكنى والاتحاد


لقب والدة الإله والفرق بين السُكنى والاتحاد

للقديس كيرلس عمود الدين عن كتاب والدة الإله – ترجمة د.جورج عوض مراجعة د.نصحي عبد الشهيد
 يقولون عن السُكنى إنها اتحاد، لكن ليس في داخل العذراء، وإنما بعد ولادته منها، فلنمضِ إذن لفحص هذا الذي يُقال. فإذا كانوا يقرون ذلك لكي يقولوا إن المسحة صارت في شخص الكلمة مع إنسان، فسوف يضطرون على أية حال أن يقولوا إنه بعد الاتحاد قد مُسِح. لأن كلاً من النبي والرسول تحدَّثَا ناسبْين - بكل وضوح - المسحة له. إذن، فإذا كان القديسون قد نسبوا للكلمة ما هو للإنسان بسبب الاتحاد، وبسبب أن له وجودًا مشتركًا مع إنسان، فسوف يعترفون على أية حال بأن هذه المسحة قد صارت من بعد الاتحاد.
ولو كان قد مُسح بعد الاتحاد، ولم يريدوا أن يقولوا إن الاتحاد قد صار قبل أن يُولد من العذراء، عندئذٍ ينبغي أن لا يعترفوا حتى بأن العذراء هي والدة المسيح. لأنه إذا كانت العذراء هي والدة المسيح، فهي أيضًا على أية حال والدة الإله، لكن لو لم تكن هي والدة الإله، فلن تكون هي والدة المسيح.
لأنه، لو قِيل إن المسحة صارت بعد الاتحاد، ولأجل هذا تُنسَب لشخص الكلمة، وكان الاتحاد قد صار – كما يقولون - بعد الولادة من العذراء، فسوف لا تكون العذراء والدة المسيح. لكن إذا كانت العذراء هي والدة المسيح، فهي أيضًا والدة الإله. وإن كانت العذراء هي والدة المسيح وصار الإتحاد فيها، فهي لم تلد بعد إنسانًا، كما يقول هؤلاء، بل بسبب أنها ولدت الكلمة متجسدًا، إذن عن حق يمكن أن تُدعى والدة الإله، لو كانوا يقبلون باتحاد حقيقي، لا الاتحاد الذي يقولون عنه إنه صار للقديسين.
وهذا هو ما نقوله نحن أيضًا، لأنه ليس من الممكن أن القول بأن هناك اتحادًا حقيقيًا بعد الولادة. لكننا نقبل المسيح، ليس كإنسانٍ اتَّحد مع الله، لكنه الله الذي اتخذ ما هو للبشر τα νθρώπινα، أقصد الجسد والنفس والعقل بدون خطية إطلاقًا، حيث اتحد كل هذا مع الكلمة في العذراء القديسة.
لأجل هذا، حتى لو سمعتَ أنَّ المسيح يُدعى إنسانًا، فلا تنسىَ أنه هو أيضًا إلهٌ. هكذا بولس الطوباوي، مدِركًا إيَّاه بكونه إلهًا، يكرز عنه قائلاً: "اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ بِحَسَبِ إِنْجِيلِي" (2 تيمو 2: 8). وأحيانًا أخرى، يقول: "عَالِمِينَ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ" (2 كو 4: 14). هل سمعتَ إذن بوضوح أن الذى هو من نسل داود المُقَام من الأموات يُكرزُ به بكل وضوح ؟

السبت، 7 يونيو 2014

الروح المعزي


الروح المعزي
القديس يوحنا ذهبي الفم عظة78 على يو4:16ـ15
ترجمة د.جورج عوض

   ” ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم. وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم” (يو4:16ـ6).

إستحوذ الحزن على التلاميذ
   إن ألم الحزن المفرط هو أمر صعب للغاية ونحن نحتاج إلى شجاعة كبيرة حتى نقف أمامه ونحن متشددين. والألم له فوائد، فعندما نخطئ نحن أو الآخرين فمن الصواب أن نحزن. ولكن لا يجب علينا أن نحزن بشكل مُبالغ فيه على الظروف التي تحدث لنا كبشر لأن ذلك غير مفيد. لقد استحوذ الحزن على التلاميذ الذين لم يكونوا بعد كاملين روحيًا، ولذلك راحوا يلقون عليه أسئلة كثيرة.
   فقد قال له بطرس " أين تذهب؟" [1]، وتوما قال له: " يا سيد لسنا نعرف أين تذهب. فكيف نقدر أن نعرف الطريق" [2]. وفيلبس أيضًا قال له: " أرنا الآب"[3]. ولكن علينا أن نلاحظ كيف إنه يقومهم بشدة فها هم يسمعون أن اليهود "سيخرجونهم من المجامع" (أنظر يو2:16)، وقول المسيح لهم " طوباكم إذا أبغضكم الناس"[4]، وكذلك: " تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله"[5]، وقد فقدوا شجاعتهم حتى أن آخرين منهم لم يستطيعوا أن يقولوا له شيئًا وظلَّوا في مكانهم.
   وكان الرب يُقدر هذا الموقف، إذ قال لهم: " ولم أقل لكم من البداية لأني كُنت معكم. أما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم" [6].
   حقًا فإن الحزن الشديد يعد أمرًا مخيفًا، إنه مُرعب وقد يؤدي أيضًا إلى الموت. لأجل هذا قال بولس: " لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المُفرط"[7]. يقول لهم: " ولم أقل لكم من البداية ". لماذا لم يقل لهم من البداية؟ حتى لا يقول أحد إنه قال هذه الأقوال من جراء خبرته ورؤيته لأمور حدثت أمامه مرات كثيرة، أي بمثابة استنتاجات فقط. ولماذا يبدأ في قول أمر صعب جدًا؟ إنه يعرف هذه الأمور من البداية، ولكنه لم يقلها ليس لأنه لم يكن يعرفها، بل كما قال هو       " لأني كنت معكم". وهذا الكلام يقوله إنسانيًا، كأنه قال: لأنكم أنتم في آمان وكان في استطاعتكم أن تسألوني حين تريدون، والحرب كلها كانت تنقض علىَّ، وكان من الخطأ أن أقول لكم هذا من البداية. لكنني أتساءل: ألم يقل من قبل مثل هذه الأقوال؟ ألم يقل للتلاميذ     " وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم. ولأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم"[8]. كيف إذن يقول   " ولم أقل لكم من البداية ". لأنه سبق وقال آنذاك يجلدونكم وتساقون أمام الرؤساء، ولكنه لم يحدثهم عن موتهم، هذا الأمر خطير جدًا حتى أن قتلهم سيعتبر بمثابة عبادة من جانب القاتلين كأنهم يقدمون خدمة إلى الله. وهذا الأمر سيُدهشهم إذا علموه من البداية: أي سوف يُحاكموا فيما بعد ككفار وأُناس متمردين. نستطيع أن نقول أن إعلانه الأول كان يختص بالآلام التي سوف يعانون منها على أيدي الأمم، أما هنا فإنه يضيف، مع التأكيد على آلامهم أيضًا بواسطة اليهود، وأخبرهم أن هذه الآلام قريبة جدًا.
   " وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم "[9].
   وكون أن السيد المسيح قد أعلمهم أنه يعرف مدى حزنهم قد منحهم تعزية ليست بقليلة، إذ أن القلق لأجل غيابه هذا وانتظار المشقات العتيدة أن تحدث (لأنهم لم يعرفوا ما إذا كانوا يستطيعون أن يتحملوا المشقات بشجاعة) جعلهم مندهشين تمامًا.

موقف التلاميذ من حديث المسيح
   لماذا إذًا لم يحدثهم عن ذلك عندما أصبحوا جديرين بأن ينالوا الروح؟ لكي تعلم أنهم كانوا أُناسًا فاضلين جدًا؛ إذ وهم غير جديرين بأن يأخذوا الروح لم يتركوا السيد المسيح والحزن جاثم على قلوبهم، أدعوك أن تتأمل في ما سوف يصيرون عليه عندما ينالون النعمة، لقد تحملوا كل هذا الكلام وسمعوه، لأنه لو إذا كان قد قيل  بعد حلول الروح القدس عليهم لكان الثناء يُنسب للروح، أما الآن فموقفهم هذا يعد ثمرة تفكير ذهنهم وبرهان واضح على آلامهم من أجل المسيح.    " لكن أقول لكم الحق"[10]. هنا يعزيهم أيضًا، لأنه يقول لهم إنني لا أخبركم عن أمور مفرحة، أما إذا كان هذا الكلام صعب فإنني أرى إنكم لابد أن تسمعوه لفائدتكم، لأنكم ترغبون في أن أبقى معكم بينما الفائدة هي في أمر آخر. إن الذي يحب أصدقاءه ويعتني بهم يتصف دائمًا بعدم الخداع فهو يقول لهم ما يفيدهم حتى إذا كان كلامه هذا ضد رغبتهم، فهو بذلك لا يبعدهم عن ما يفيدهم، لذا يقول لهم المسيح. " إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي "[11].



عمل الروح القدس
   ماذا يقول هنا أولئك الذين ليس لديهم معرفة لائقة عن الروح القدس؟
   يقولون: هل فائدتهم تكمن في أن يرحل الرب ويأتي العبد[12]؟ لكن، هل رأيت مدى عظمة وقيمة الروح؟ " إن ذهبت أرسله إليكم"[13]. وما هي الفائدة؟ ذاك سوف يبكت العالم، أي أن هؤلاء الذين يتطاولون على الرب لن يفلتوا من العقاب إذا جاء المعزي. لقد تحدث الرسل وقاموا بأعمال ـ قبل حلول الروح القدس ـ تسد أفواه المتطاولين، ولكن عندما تحدث أمور بواسطة الروح، ويقدم التلاميذ تعليمًا كاملاً بالروح ويصنعون معجزات أعظم، سوف يُدان أهل هذا العالم وهم ينظرون أمورًا كثيرة تحدث باسمه، الأمر الذي سيكون بمثابة برهان ساطع لقيامته، كأن المسيح يقول لهم: الآن يستطيعون أن يقولوا، أليس هذا ابن النجار الذي نعرف أباه وأمه. أما عندما يحل الروح المعزي عليكم فسوف يروا كيف يقضي على الموت ويهرب الشر وتُشفى الطبيعة البشرية من الشلل، و تُطرد الشياطين، وهكذا يتضح أن عطية الروح عظيمة وتفوق الوصف (انظر أع1:2ـ وما بعدها). إن كل هذا يحدث باسمي، فماذا إذن سيقولون؟ لأن الآب يشهد لي وسوف يشهد أيضًا الروح، لقد شهدَّ بكل تأكيد في البداية (متى17:3)، لكن سيشهد أيضًا والآن.
   " يُبكت العالم على خطية "[14]. يعني أنه سيقضي على عنادهم وسيُظهر لهم إنهم ارتكبوا أمورًا لا تُغفر. " وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا"[15]. لقد منحنا حياة لا تُدرك بالعقل. وهذا برهان على أنه سوف ينتقل إلى أبيه، نظرًا لأنهم دائمًا كانوا يدينونه بأنه لم يأت من الله، ولذلك دعوه خاطئًا ومخالفًا، لذا يقول أنه سيدحض هذا المبرر أيضًا. انه يريد أن يقول: إنهم لم يعتبروني آتيًا من عند الله، الأمر الذي يُظهرني مخالفًا، وعندما يُبرهن الروح بأنني أنتقل إلى هناك ليس للحظة بل إنني أبقى هناك إلى الأبد (لأنه "بعد قليل لا تبصرونني")، ما الذي سوف يقولونه أيضًا؟ انتبه حيث أنه ثبت خطأ رأيهم الشرير من خلال نقطتين: إن عمل المعجزات ليس من سمات الخاطئ (إذ إنه لا يتمكن من عمل معجزات)، كما أن القرب من الله بصفه دائمة ليس من صفاته ولذلك فإنهم لا يستطيعون إن يقولوا أن هذا خاطئ، وأنه لم يأتِ من الله.
   " وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين " [16]. يتحدث هنا أيضًا عن البر، لأنه انتصر على المقاوم لبره. وكان من المستحيل أن ينتصر عليه لو كان هو خاطئًا. ولم يتمكن أي بار من القيام بهذا العمل. ومن حيث إن رئيس هذا العالم قد دين بواسطتي، فهذا يعرفه أولئك الذين سوف يدسونه تحت أرجلهم فيما بعد. وسوف يعرفون بوضوح قيامتي، وهذا ما يميز الشخص الذي يحكم ويُدين، لأنه لم يستطع أن يتحداني. لقد قالوا عني إن بي شيطان وأنني مُضِل، ومثل هذه الاتهامات سوف تظهر أنها لا تستند على الحق، لأنني لو كنت خاطئًا لما استطعت أن أُنازله، أما الآن فقد أُدين وهُزم.
   " إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن " إذن " خير لكم أن أنطلق "، حيث آنذاك سوف تفهمون هذه الأمور وتحتملوها عندما أنطلق. ما الذي حدث؟ هل الروح أعظم طالما إنكم لا تحتملون الآن هذه الأمور، بينما ذاك (الروح) سوف يعدِّكم لكي تفهموها؟ هل عمل الروح أعظم وأكمل؟ ليس الأمر هكذا، طالما أن المعزي سيقول أن هذا هو ما قلته لكم. لذلك يقول: " وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي "[17].
   إذًا، فلأنه قال ما يعني " ذاك يمجدني. ويذكركم بكل شئ. ويعزيكم في حزنكم"، الأمر الذي لم يفعله هو، وكذلك حين قال: "خير لكم أن أنطلق"، وأيضًا " لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. لكن حينذاك تستطيعون" وكذلك " فهو يرشدكم إلى جميع الحق"، ولكي لا يعتبروا وهم يسمعون هذه الأقوال أن الروح أعظم ويقعون في كُفر رهيب، لأجل هذا يقول " يأخذ مما لي" أي أنه سوف يقول نفس الكلام الذي قلته. وعندما يقول " لا يتكلم من نفسه " يقصد أنه لا يتكلم بشئ معارض، لن يقول شيئًا من عنده، بل فقط ما قلته أنا. مثلما يقول عن ذاته " لست أتكلم به من نفسي"[18]، هذا يعني، أن لا شئ من هذا الكلام الذي أقوله هو خارج عن أقوال الآب، لا شئ لديه مناقض لذاك وغريب عنه، هكذا أيضًا عندما تحدث عن الروح. "مما لي" تعني أي ما أعرفه أنا، أي من معرفتي، لأن معرفتي ومعرفة الروح واحدة. " ويخبركم بأمور آتية " لقد استنفر اهتمامهم لأن لا شئ يشتاق إليه الجنس البشري مثل أن يعرفوا الأمور الآتية التي سوف تحدث. لذلك كانوا يسألونه باستمرار " أين يذهب؟"، أي مجد يكون هذا؟ (أنظر يو5:14، 36:13). إذن لقد حررَّهم من هذا الإنشغال، إذ يقول إن كل الأمور سوف يقولها لكن مسبقًا حتى تكونوا مستعدين.
   " ذاك يمجدني" كيف؟ عندما يطلب الرسل اسمى سوف يحقق الروح أعمالاً عظيمة. فسوف يعملون معجزات عظيمة عندما يأتي الروح، لأجل هذا، يقول مشيرًا إلى المساواة: "ذاك يمجدني". ماذا يقصد بقوله " جميع الحق" هذا يعني أن الحق يُشهد له بواسطة المعزي، فالمعزي سوف "يرشدنا إلى كل الحق" أي إلى الرب نفسه لأنه أخذ جسدًا بشريًا ولم يحدثهم حديثًا كاملاً عن ذاته، ولم يعرفوا معرفة كاملة عن القيامة إذ كانوا غير كاملين روحيًا.
   وبالنسبة لليهود لم يقل لهم شيئًا روحيًا ساميًا حتى لا يعاقبونه مُعتبرينه مخالفًا لتعاليمهم، وذلك من جراء عدم فهمهم، وعندما أخذ التلاميذ وفصلهم عن قطيعهم ـ إذ كانوا سابقًا خارج كرم يسوع ـ آمن كثيرون وغُفرت لهم الخطايا، وآخرون تحدثوا معه بحسب المنطق الطبيعي، لذا لم يقل لهم الكثير عن ذاته. هكذا فكأنه يقول: إنني لم أقل ما ينبغي أن أقوله، وهذا لا يرجع إلى جهلي بل بسبب الضعف الروحي للسامعين. وحيث إنه قال " فهو يرشدكم إلى كل الحق" وأضاف " لا يتكلم من نفسه"، الروح لا يحتاج إلى تعليم، إسمع بولس الرسول حين يقول: " أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله "[19]. إذن فكما أن روح الإنسان هو الذي يعرف الإنسان دون أن يتعلم من آخر، هكذا الروح القدس " يأخذ مما لي ويخبركم" أي سوف يتكلم بما يتفق مع أقوالي. " كل ما للآب هو لي". إذن الباراكليت سوف يثبت أقوالي الخاصة، وهذه الأقوال هي للآب، إذن فهو يخبر بكلام الآب الذي هو كلامي.
   لماذا لم يأتِ الروح قبل رحيل المسيح من العالم؟ لأن اللعنة لم تكن قد بَطُلت بعد، والخطية لم تكن قد هُزمت، وكان الجميع لا يزالون تحت القصاص، لذا لم يكن ممكنًا أن يأتي. وكان لابد للعداوة أن تنتهي وأن تتصالحوا مع الله وبعد ذلك تقبلون تلك العطية. لكن لماذا يقول "سأرسله"[20]. أي سوف أعَّدكم لكي تقبلوه، لأنه كيف يُرسل ذاك الذي هو حاضر دائمًا؟ أراد إذن أن يُظهِر لهم تمايز الأقانيم. هناك سببان وراء ما قاله: أولاً: كان هؤلاء مرتبطين به بشدة، فلابد أن يقنعهم بأن يقبلوا إلى الروح ويطيعوه، لأجل هذا أيضًا جعل الروح يصنع عجائب لكي يدركوا قدرته ومكانته. وكما أن الآب يستطيع أن يُحضر الكائنات إلى الوجود إلا إنه جعل الابن يفعل ذلك، هكذا أيضًا فقد جعل الروح يفعل كل هذه الأمور لكي يدركوا قوته. لأجل هذا أيضًا تجسد الابن ولكنه جعل الروح هو الذي يتمم كل ما فعل. لقد وجد البعض في محبة الابن غير الموصوفة دافعًا للكفر؛ إذ اعتبروا الابن المتجسد أقل من الآب. ونحن نقول لهم: ما الذي سوف تقولونه عن الروح؟ لأنه لم يأخذ جسدًا. إنكم لن تقولوا بالطبع لأنه، لهذا السبب، أعظم من الابن، ولا الابن أقل منه. إننا ننال عمل الثالوث في المعمودية، حيث إن الآب يمكن أن يفعل كل شيء وكذلك الابن والروح القدس. الثالوث حاضر في الحياة السرائرية حتى لا يتشكك أحد في الابن والروح القدس، فنحن نتعلم شركة الأقانيم أثناء شركة عطية تلك الخيرات السرائرية.
   حقًا إن الابن يستطيع أن يفعل كل هذه الأمور بمفرده حيث انه يشترك مع الآب والروح القدس أيضًا أثناء المعمودية. أرجو أن تسمع هذه الأقوال بوضوح إذ يقول لليهود: " ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا"[21]، وأيضًا        " لتصيروا أبناء النور"[22]، و " أنا أعطيها حياة أبدية"[23]. وبعد ذلك يقول: " أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل"[24]. دعونا نرى أيضًا الروح الذي يصنع هذا بعينه. أين نراه يفعل ذلك؟ نرى هذا في الشواهد الكتابية الآتية: " ولكل واحد يُعطى إظهار الروح للمنفعة "[25]. ] ذاك الذي يمنح هذه يستطيع بالأكثر جدًا أن يغفر الخطايا[، وأيضًا " الروح هو الذي يُحيي "[26]. و"سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" [27]." و " أما الروح فحياة بسبب البر "[28]. وأيضًا " إذا أنقدتم بالروح فلستم تحت الناموس"[29]، " إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا آبا الآب"[30]، أليس ما فعله (الآب) فعله (بواسطة) الروح، ولذا بولس كتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: " ولكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا "[31].
   إذًا فلأنهم سمعوا كثيرًا عن الآب ورأوا الابن يتمم أعمالاً كثيرة، بينما لم يكونوا يعرفون شيئًا بعد بوضوح عن الروح، جاء دور الروح القدس ليصنع معجزات ويمنح المعرفة التامة. لكن لئلا يعتبر البعض إنه بسبب هذا الدور الذي سوف يقوم به فهو يعتبر أعظم من الابن (كما قُلت سابقًا)، قال لتلاميذه " كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية".
   هل الروح سيسمع كلام الآب ثم ينقله للتلاميذ؟ يقول البعض إن لديه معرفة كاملة فقط لأجل أولئك الذين سيسمعون. وأنا أقول لهم: أي مخالفة أكثر من تلك المخالفة التي تراها في هذه الأقوال التي يتقولون بها عن الروح؟. على الجانب الآخر ما الذي سوف يسمعه؟ أليس كل هذا الكلام قيل بواسطة الأنبياء؟ سوف يتحدث عن إبطال الناموس، ونحن نقول: قد قيلت هذه الأقوال، وإنه سيتحدث عن المسيح، وإلوهيته وتدبيره، نقول: لقد قيل كل ذلك. فما هو الأهم الذي سوف يقوله بعد كل ذلك؟ " يخبركم بأمور آتية" هنا يبرهن ـ قبل أي شيء ـ على رتبته ومكانته في الثالوث كأحد الأقانيم الثلاثة، فإنه من صفات الله أن يعرف ما سيحدث في المستقبل. هنا يُعلن أن لديه المعرفة الكاملة والدقيقة عن الله وليس مثل الأنبياء الذين تنبأوا عن بعض الأمور. لذا يستحيل على الروح أن يقول شيئًا مختلفًا عما لدى الآب والابن.
   " يأخذ مما لي " أي ستكون له نفس المعرفة التي لي وهو مثلي ليس في احتياج أن يتعلمها من آخر، فالمعرفة واحدة بالنسبة لي وله. إنه يحدثهم هنا بهذه الطريقة حتى يتعرفوا على الروح ويصدقوه وحتى لا يعثروا، إذ سبق وقال لهم " معلمكم واحد المسيح"[32]، حتى لا يظنوا أن سماعهم للروح فيه معصية. فالتعليم هو واحد، تعليمي وتعليم الروح. كأنه يقول لهم: لا تظنوا أن تعليم الروح مختلف، طالما أن تلك التعاليم هي من تعاليمي وتكوَّن مجدي الخاص، لأنها بمشيئة الآب والابن والروح القدس. هكذا يريد أن نكون نحن هكذا، لذا قال: " ليكونوا واحدًا كما نحن"[33].

المحبة والوفاق:
   لا شيء أفضل من الإتحاد والإتفاق، فيهما يصير الواحد واحدًا في كثيرين، فإن كان يوجد اثنان أو عشرة لهم نفس الرأي والوحدة، فلن يصبح الواحد من العشرة هو واحد بعد، بل كل واحد من هؤلاء يصير عشرة أضعاف، وسوف تجد في العشرة واحد وفي الواحد عشرة. والعدو لا يقدر عليهم لأنه بينما يقاتل واحدًا منهم يجد نفسه يقاتل عشرة. هل يفتقر الواحد لأي شيء؟ لا، ليس هو في إحتياج بل له ما يكفيه من حيث القسم الأعظم (التسعة)، والجزء الصغير (الواحد) يغتني بالتسعة (الجزء الأكبر). كل واحد من العشرة له عشرون يد وعشرون عين وأرجلاً وإمكانيات أخرى كثيرة.
   إذن لن يرى بعينيه فقط بل بأعين الآخرين، لا يستند فقط على أرجله بل على أرجل الآخرين، لا يعمل فقط بيديه بل بأيدي الآخرين. لديه عشرة نفوس. وبذلك لن يكون وحيدًا بمفرده في إعتنائه بنفسه بل إن الآخرين يعتنون به. ولو كانت العشرة مائة فسيحدث نفس الأمر وسوف تتسع قوتهم.
   هل رأيت كيف أن المحبة القوية تجعل الواحد لا يُهزم بل تتضاعف قوته؟ كيف يُوجد الواحد في كل مكان أيضًا؟ بمعنى يُوجد في بلاد فارس وفي نفس الوقت في روما؟ فما لم تنجح فيه الطبيعة البشرية، تحققه المحبة؟ بالمحبة يُوجد هنا وهناك. فإن كان لديه ألف صديق أو ألفان، تأمل عندئذٍ في مدى قوته المتزايدة. هل رأيت مدى تزايد المحبة؟ فالمحبة تجعل الواحد يصير ألوفًا. لماذا إذن لا نحصل على هذه القوة ونؤَّمِن ذواتنا؟ هذا هو أعظم من كل سلطان وغِنى. فالمحبة أكثر أهمية من الزعامة ومن النور نفسه، لأنها سبب الفرح. حتى متى نحصر محبتنا في واحد أو اثنين؟
   اعرف الأمر من نقيضه. فإن كان المرء ليس له صديق، الأمر الذي يعتبر مثالاً للحماقة (لأن الجاهل يقول ليس لي صديق)، فأي حياة يعيشها؟ حتى لو كان ما زال لديه ثراء ويحيا في رغد العيش، أو يكسب خيرات لا حصر لها، إلا إنه سينتهي إلى مصير يكون فيه مجردًا وعاريًا من كل شيء. أما بالنسبة للإنسان الذي له كثير من الأصدقاء والأحباب والمحبين، فحتى أن كانوا فقراء، يصيرون أغنياء ومن الأغنياء، والعمل الذي لا يستطيع أن يقوم به هذا الإنسان بنفسه يقوم به الصديق الآخر، وكل ما لا يستطيع أن يمنحه لنفسه يمكن أن يتم من صديق آخر، وسيصبح الأصدقاء سبب فرح لنا وآمان. فإن مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يعاني من أي شر في اللحظة التي يكون فيها مُحاطًا بالأصدقاء ويتمتع بحمايتهم.
   وإن كان حُراس الملك يجتهدون وينشغلون بحراسة الملك، إلا إنهم يتممون هذه الأعمال عن خوف واحتياج، بينما هؤلاء الأصدقاء بدافع المحبة يعتنون بصديقهم ويحرسونه ليس عن خوف. لذا لا يخاف هذا الإنسان من مؤامرات قد تُحاك ضده من الأصدقاء مثل شعور الملك تجاه حُراسه.
   ليتنا نستفيد إذًا من هذا الصلاح. فليشعر الفقير بالعزاء في فقره، والغني فليكن عنده أمان في غِناه، والرئيس فليمارس سلطته بآمان، والمرؤوس ينال القبول من رؤسائه. إذًا فالمحبة والوفاق يجلبان الهدوء والسكينة، هنا نبع الوداعة. فالوحوش لا تحيا في شكل قطيع بل تحيا في رُعب وخوف. لأجل هذا نحن نسكن المدن ولدينا أسواق لكي يتآلف الواحد مع الآخر. لقد أعطى بولس الرسول هذه الوصية، قائلاً: " غير تاركين إجتماعنا"[34]، لأن لا شيء يكون أكثر شرًا من الإنعزال، والإنسحاب وتجنب العلاقات بين البشر بعضهم مع بعض. فماذا ـ إذًا ـ بالنسبة للرهبان الذين احتلوا قمم الجبال؟.
   أقول لكم: ولا حتى أولئك هم بدون أصدقاء، ولكنهم تجنبوا ضوضاء السوق، وأصدقاءهم كثيرون من الذين لهم نفس توجهاتهم ومرتبطين بشدة فيما بينهم، ولكي يصلوا إلى ذلك إرتحلوا إلى الجبال. فإن العِراك من أجل الأشياء العالمية يخلق نزاعات كثيرة، لأجل هذا، تركوا العالم ومارسوا المحبة باهتمام كبير.
   ماذا إذن، إن كان شخص، يقول إنه وحيد بينما الآخر له أصدقاء لا حصر لهم؟ إنني أريد بكل تأكيد، أن يتآلف الواحد مع الآخر، وأهم شيء هو أن الصداقة ثابتة. والمكان لا يصنع الأصدقاء، فالمحبة بين الأصدقاء هي الأهم. وهؤلاء أيضًا يُصلَّون لأجل كل المسكونة، الأمر الذي يبرهن على الصداقة الكاملة. ولذلك فالواحد يقبل الآخر أثناء تتميم الأسرار، لكي يصير الكثيرون واحدًا، وجميع الداخلين للإيمان يصلون صلاة واحدة، ونطلب جميعًا من أجل المرضى، وثمار المسكونة ومن أجل الأرض والبحر. هل رأيت قوة المحبة في الصلوات، وفي الأسرار، وفي النصائح والإرشاد؟ أنها السبب وراء جميع كل الصالحات. دعونا نمارس المحبة بطريقة تليق وننظم حياتنا الحاضرة جيدًا وسوف ننال الملكوت السمائي الذي ننتمي إليه جميعًا. ليتنا نناله بنعمة مُحب البشر ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.



[1] يو36:13
[2] يو5:14.
[3] يو8:14.
[4] لو22:6.
[5] يو2:16.
[6] يو4:6ـ6.
[7] 2كو7:2.
[8] مت17،10ـ 18.
[9] يو5:16ـ6.
[10] يو7:16.
[11] يو7:16.
[12] هنا يقصد الرأي الهرطوقي بأن الروح القدس هو مجرد عبد مخلوق.
[13] يو7:16.
[14] يو8:16.
[15] يو10:16.
[16] يو11:16.
[17] يو13:16ـ15.
[18] يو10:14.
[19] 1كو11:2.
[20] يو26:15.
[21] يو10:2.
[22] يو36:2.
[23] يو28:10.
[24] يو10:10.
[25] 1كو7:12.
[26] يو63:6.
[27] رو11:8.
[28] رو10:8.
[29] غلا18:5.
[30] رو15:18.
[31] 1كو11:6.
[32] مت8:23.
[33] يو11:17.
[34] عب25:1.