الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

نحن لا نعبد إنسانًا


نحن لا نعبد إنسانًا


القديس كيرلس الأسكندري من كتاب (" ضد أولئك الذين لا يعترفون بأن العذراء القديسة هي والدة الإله" )

ترجمة د. جورج عوض

 

 

 ها هم يقولون أيضًا إن الرسول يعترف - بوضوح - بأنه إنسانٌ. لأنه كتب لتيموثاؤس قائلاً: "الإنسان يسوع المسيح" (1 تيمو 2: 5). وبقولهم هذا يبدو أنهم يسببون اضطرابًا لذهن المؤمنين الأُصلاء. لأنه لو فحص أحدٌ - بفهمٍ - القول الرسولي، لصوَّت ضد فجورهم. ليتنا لا نقتطع الكلمات من سياقها، بل ونحن متذكرين قليلاً كل ما سبق، نستطيع من تلك الأقوال الرسولية أن ندرك الاعتراف المستقيم للتدبير.

إذن ماذا يقول بولس الطوباوي؟ "إلهٌ واحدٌ"، يقول عن الآب. وأيضًا عن الابن: "وسيطٌ واحدٌ بين الله والناس" (1 تيمو 2: 5).

فهو يقول بالرغم من أنه صار إنسانًا، إلاَّ أنه لا ينبغي علينا ولو لوهلةٍ أن نظن - بسبب هذا - أنه اثنان. لأنه، كما أن الكلمة كان قبل مجيئه إلهًا، هكذا هو أيضًا واحدٌ عندما صار إنساناً وتوَسَّط أيضًا بطبيعة الإنسان. لأجل هذا أحيانًا يُسمَّى وسيطًٌا بين الله والبشر؛ لأنه كان واحدًا من جوهريْن. لأنَّ معنى أن يتوسط، أن يكون لديه على أيَّة حال علاقة بالاثنين. إذن هو وسيط الله؛ لأنه هو من نفس جوهر الآب، وهو أيضًا وسيط البشر؛ لأنه مشارِكٌ تمامَا للطبيعة البشرية، بدون خطية.

إذن عندما يدعو – الرسول - يسوعَ المسيح إنسانًا، ينبغي أن لا نعثر بسبب هذا، بل لندرك أنه دُعيَّ أيضًا الرب والإله، مع أنهم يقولون إنه أيضًا مسيحٌ ويسوع. لكن ليتنا نسمع أيضًا الرسول الذي يكرز بهذا بوضوح: "مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (تيطس 2: 13).

 

 أرأيت أنه هناك يسمِّي يسوع المسيح إنسانًا الذي قدَّم ذاته لأجل الجميع، وهنا يدعو يسوع المسيح إلهًا عظيمًا، هذا الذي يقدَّم أيضًا ذاته لأجلنا؟ أي أن إعلانًا مزدوجًا صار هنا ضدهم، أو على الأفضل معهم، لو أرادوا أن يتوبوا؛ لأنه يقول عنه أيضًا إلهًا والرب يسوع، هذا الذي هناك يدعوه إنسانًا، وبالاثنين يعلن أنه قدَّم ذاته لأجلنا. لأنه يقول: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1 تيمو 2: 5). وأيضًا: "مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًا غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ" (تيطس 2: 13 - 14).

لكن إن كان المسيح - وفق أولئك – إنسانًا فقط، هذا الذي قدَّم ذاته لأجلنا، وجعلنا لذاته شعبًا مختارًا، فنحن بالتالي نعبد إنسانًا مثل الأمم، وننسب للمخلوق السيادة الرَّبانيِّة. لكن، ليست الأمور هكذا، حاشا. فنحن نقبل المسيحَ ربًا وإلهًا، صائرًا شريكًا للطبيعة البشرية، وقد وُلِد - بسبب محبته التي لا تُوصَف تجاه الإنسان - من العذراء القديسة والبتول ، لكنه هو أيضًا - بحسب الطبيعة - إلهٌ وابنُ الله. إذن، لأجل هذا السبب دُعيَّ إنسانٌ، لكنه دُعيَّ أيضًا إلهًا، إذ ظلَّ واحدًا، وهو ذاته مسيحٌ واحدٌ لكلًّ واحدٍ من اللقبْين (الاسمين).

 

 حسنًا، وبخصوص زعمهم بأن بولس كرز بأن المسيح لم يكن ربًا، اسمع ماذا يقول في رسالته إلى أهل كورنثوس: "فَإِنَّنَا لَسْنَا نَكْرِزُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبًا، وَلكِنْ بِأَنْفُسِنَا عَبِيدًا لَكُمْ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ" (2 كو 4: 5).

أرأيتَ مبدأ التعليم الرسولي؟ يسوع المسيح، يقول عنه أنه الرب، بينما عن أنفسنا يقول إننا عبيد. وعندما يكتب لأهل رومية يقول الآتي: "وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رو 9: 5). فلو كان بولس قد آمن بأن المسيح هو فقط إنسانٌ، لَكان ينبغي عليه أن يقول: "ومنهم المسيح حسب الجسد، الذي فيه إله الكل". لكنه قدَّم لنا عظمة المسيح بكونه إلهُ الكلِّ.

وليس هذا فقط، لكن يجب أن نفحص أيضًا أمرًا آخرًا: لو لم يكن يؤمن بأن المسيح كان في نفس الوقت أيضًا إنسان، لَكان عليه أن لا يقول: "حَسَبَ الْجَسَدِ"؛ لأن هذا يُقال بكل وضوح عن مَنْ هو ليس إنسانًا فقط، دون أن يكون هناك أيضًا شيء آخر من جهة الجوهر. هكذا أضاف، قائلاً: "الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا"، وبذلك هنا يعطينا اعترافًا مزدوجًا عن مخلصنا مُظهِرًا أيضًا طبيعته البشرية وكارزًا بأنه إلهٌ. لأن الملك الأرضي لو أراد بأي طريقة أن يظهر بشكل قائدٍ، فلن يتوقف بسبب هذا عن أن يكون ملكًا، ولا يفقد بالطبع سلطته الملوكية السابقة، بل هو واحدٌ أيضًا، إذ هو نفسه يملك، بالإضافة إلى رتبة الملوكية، رتبة القيادة، وإذا دعاه شخصٌ ملكاً، يعرف أنه هو أيضًا ذاك الذي يملك خاصية القائد، والعكس، لو دعاه أحدٌ قائدًا، فإنه يعرف أنه هو ذاته أيضًا الملك، هكذا ربنا يسوع المسيح كان بالطبع على الدوام ابن الله، حقًا إلهًا حقيقيًا، لكن عندما اتخذ فيما بعد - زمنيًا - الطبيعة البشرية، يكون واحداً أيضاً حتى لو دُعيَّ إلهًا أو إنسانًا.