الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

صراع يعقوب مع الله


صراع يعقوب مع الله


        القديس كيرلس الأسكندري – جيلافيرا على سفر التكوين

      ترجمة د. جورج عوض إبراهيم

علَّمنا يعقوب العظيم كيف تصير الأمور هكذا (كما رأينا)، ودبَّر الله هذه الأحداث بطريقة حكيمة، وسوف أحدثكم عن هذه الأمور مستندًا على الكتب المقدسة التي أخبرتنا بما يلي: " ثم قام (يعقوب) في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبوُق. أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له. فبقى يعقوب وحده. وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حُق فخذه. فإنخلع حُقَّ فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له ما اسمك فقال يعقوب. فقال لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل. لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك. فقال لماذا تسأل عن اسمي. وباركه هناك.

فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل. قائلاً لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي وأشرقت له الشمس إذ عر فنوئيل وهو يجمع على فخذه" (تك22:32ـ31).

لقد أجاز يعقوب كل ما له وبقى وحده، كيف ـ إذن ـ يكون هذا الحدث غير جدير بأن نفحصه؟ حسنًا، دعنا نرى علّة هذا الأمر، وليمضِ حديثنا مباشرةً إلى الروحيات. كان عيسو يسكن في أدوم وسعير وكان يملك هذه المنطقة ويستحوذ عليها بسلطانه الذي لا يتخطى منطقة يعقوب. لكن لأن يعقوب إرتحل من بلاد ما بين النهرين ومن السكن عند لابان فإنه أسَّرع ليصل إلى ارض آبائه، وكان من الحتمي أن يجتاز في آدوم، فحرص بشدة على أن يصنع سلامًا مع أخيه، وهكذا أرسل رُسلاً محملين بهدايا كثيرة قبل أن يراه، وأوصى أن يقولوا له أنه سيأتي هو بنفسه لكي يراه وأن يكلموه بأقوال لينة ويغدقوا عليه بهدايا. وبهذه الأمور جعله هادئًا، ذاك الذي كان قديمًا غاضبًا ومتوحشًا ويريد أن يقتله. وعندما وصل وُسله وأخبروه قائلين: " أتينا إلى أخيك إلى عيسو. وهو أيضًا قادم للقائك وأربع مئة رجل معه" (تك6:32). وحين سمع يعقوب هذا الكلام إستولى عليه الخوف، لأنه لم يستطيع أن يعرف بوضوح أي من الخيارين: هل سوف يجد سلامًا وصداقة مع أخيه أم أنه ما زالت وقاحة عيسو المعتادة تستحوذ عليه وإنه سيفعل ما تمليه عليه الغيرة الرديئة.

" أخذهم وأجازهم الوادي وأجاز ما كان له. فبقى يعقوب وحده" (تك23:32ـ24). لقد كان يفكر في أنه لو كان عيسو سيتصرف معه حسنًا وبوداعة، عندئذٍ لن تكون هناك صعوبة في اجتياز النساء والأولاد، لكن لو كان تصرفه بقسوة وحنق شديد لدرجة القتل سوف يحزن الأولاد عليه وسوف تذرف عليه دموع النساء، وموته سوف يُرضي غضب عيسو. لكن بقوة الله تطورَّت الأمور أكثر مما كان يأمل، كما سبق وقُلنا. لأنه مكتوب: " فركض عيسو للقائه. وعانقه ووقع على عنقه وقبله" (تك4:33). هذا الحدث علمَّنا المفهوم العميق للسر. كيف وبأي طريقة؟ هذا ما سوف أذكره لكم أيضًا.

حسنًا عندما أجاز كل ما له الوادي، وعندما بقى وحده، صارعه إنسان حتى طلوع الفجر. نقول إن الملاك الذي صارعه هو مِِثال للمسيح الذي كان مثلنا لأنه صار إنسانًا. وكونه لم يعبر الوادي مع الآخرين، أي وادي "يبوق" الذي تفسيره "صراع"، فهذا له دلالته. حسنًا ما هو أهمية هذا الأمر؟ ما هو المفهوم العميق لهذا الصِراع؟ إن المسيح لا يصارع هؤلاء الذين عبروا الأردن، الذي أشير إليه بوادي يبوق، ولا الذين عبروا يُوضعون في موضع الأعداء أو الخصوم. إذ أنهم يكرمون أسراره ويحفظونها، وسبق لهم إن انتصروا على العالم، كأُناس قد إجتازوا معركة ذهنية، لقد توَّجهم وأنارهم بامتيازات سامية. واسم الوادي يعني "صراع"، لأنه يقول    " ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه" (مت12:11)، و " ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة. وقليلون هم الذين يجدونه" (مت14:7).

هكذا هذا الحدث (صراع يعقوب) يشير إلى أن بني يعقوب سوف لا يعبرون الأردن أي لن ينالوا النعمة بواسطة المعمودية المقدسة، وسوف يستهينون بها بطريقة رديئة، وسوف يكون عمانوئيل خصمًا لهم. لأن هؤلاء الذين إستهانوا بالإيمان سوف يُحسبون مع هؤلاء الذين يقاومون المسيح، وهذا ما يخبرنا إياه الرب نفسه حين قال:          " مَنْ ليس معي فهو علىَّ. ومن لا يجمع معي فهو يفرق" (لو23:11). أما أولئك الذين يؤمنون فسوف يكونوا معه هل يمكن أن يشكك أحد في هذا؟ إذ نقرأ أيضًا " فبقى يعقوب وحده. وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه" (تك23:32ـ25).

إسمع، ألم يحدث الصراع في الليل؟ لقد سقط وهُزِم لأنه أراد أن ينال ما هو غير ممكن، إذ تجرأ على يصارع الله، وأن يحاول هزيمة هذا الذي هو قادر على كل شيء. هذا ما قاله داود المرنم عن بني إسرائيل الذين تفكروا بأمور صعبة ضد رئيسهم، وأصيغها هكذا حتى لا أقول ضد المسيح.، لقد قال داود: " تفكروا بمكيدة. لم تستطيعوها" (مز11:21). إذن صارع إسرائيل المسيح، في الظلمة، أي بدون أن يكون لديه إستنارة إلهية في ذهنه، ولا حتى عندما بدأ النهار يبزغ، ولا أيضًا عندما أشرق كوكب الفجر في قلوب هؤلاء الذين آمنوا. لأنه بقى عاصيًا وكما يقول النبي: " من أجل ذلك إبتعد الحق عنا ولم يُدركنا العدل. ننتظر نورًا فإذا ظلام ضياء، فنسير في ظلام دامس" (إش 9:59). أيضًا أرسل بولس العظيم رسالة لهؤلاء الذين تبرَّروا بالإيمان وقبلوا إستنارة الروح، وقال: " جميعكم أبناء نور وأبناء نهار. لسنا من ليل ولا ظلمة" (أش5:5). وأيضًا كون أنهم صاروا أسمي من جهل اليهود، وتخطوا الظلمة التي عند أولئك، فهذا يعلنه قائلاً: " قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور، لنسلك بلياقة كما في النهار" (رو12:13ـ13).

وهكذا، فإن هؤلاء الذين آمنوا عاشوا كما في النهار، بينما غير المؤمنين صارعوا مع المسيح أثناء فترة الليل. هذا ما فعله أيضًا بنو يعقوب لكنهم كانوا ضعفاء، وهُزموا ولم يستطيعوا أن يسيروا منتصبي القامة. لأنه يقول: " ولما رأي أنه لا يقدر عليه ضرب حُق فخذه. فإنخلع حُق فخذ يعقوب في مصارعته معه" (تك25:32).

حسنًا فلنمضِ لنتحدث عن أي مفهوم عميق يمكن أن نستخرجه من هذا الأمر. إن حُق الفخذ في الكتاب المقدس يشير إلى الأجزاء الهامة للجسد. والتي هي ضرورية لولادة الأولاد، وتشير أيضًا إلى الولادة ذاتها، إذ أن حول حُق الفخذ توجد كل الأعضاء التي تساهم في عملية ولادة الأطفال. هكذا أيضًا إبرآم الطوباوي عندما أرسل عبده الأمين إلى بلاد ما بين النهرين ليأخذ امرأة لإسحق، قال له     " ضع يديك تحت فخذي" (تك2:24). بمعنى اقسم أمام الله، وأمام هؤلاء الذين سوف يُولدوا من هذا الحُق، أي نسل الرب. إذن حُق الفخذ يعني هؤلاء الذين آتوا من الفخذ. وهكذا إنخلع فخذ يعقوب، تعني إنخلع هؤلاء الذين وُلدوا منه، أي بني إسرائيل. والمخلص نفسه هو شاهد على هذا الأمر، إذ قال بفم داود " بنو الغرباء يبلون ويزحفون من حصونهم" (مز45:18). وكون أن إسرائيل أُصيب بعرج روحي، فهذا يعرفه بولس الحكيم. حسنًا لقد كتب الآتي: " قوَّموا الأيادي المسترخية والرُكب المخلعة. واصنعوا لأرجلكم مسالك مستقيمة لكي لا يعتسف الأعرج بل بالحري يُشفى" (عب12:12ـ13).

لكن شفاء هذا النوع من العرج لن يصير بطريقة أخرى، إلا بالإيمان بالمسيح. لذا أولئك  الذين لم يؤمنوا ظلَّوا في العرج وفي شهواتهم المنحرفة وفق كلام بولس الطوباوي. إذن الألم الذي أصاب حُق يعقوب يمثل رمزًا لعرج إسرائيل الروحي. وإننا لا نتكلم كذبًا، إذ قُلنا بيقين أن المسيح يصَّد ويصارع هؤلاء الذين هم موجودون في ظلمة الليل، إذ لهم ذهن مظلم يصيبهم بعرج روحي، وسوف يمكن أن نعرف هذا الأمر بسهولة. فالإنسان الذي صارع يعقوب قال له   " أطلقني لأنه قد طلَّع الفجر" (تك26:32). فهمت إذن، لم يطق أن يصارع عندما طلَّع النهار. لأنه لن يصارع هؤلاء الذين هم في النور. فهؤلاء الذين قد وصلوا إلى مثل هذا المستوى من البهاء، يقول لسان حالهم: " يا الله إلهي أنت. إليك أبكر" (مز1:63)، وكذلك:   " يا رب بالغداة تسمع صوتي. بالغداة أوُجه صلاتي نحوك وأنتظر" (مز3:5). عندما يشرق نور البر، أي المسيح، على عقولنا ويأتيها بالفجر الروحي، عندئذ نحضر أمامه مستنيرين ومطّهرين ذواتنا ومستحقين رحمته الجزيلة وعنايته السماوية. لأنه يقول " عينا الرب نحو الصديقين" (مز16:33). أي عندما طلَّع الفجر توقف الصراع.

لاحظ إذن مدى عناية الرب وإهتمامه بأن يُعلّم يعقوب، الذي يريد أن يرحل، أن يغير رأيه ويستلم تلك الأمور الهامة لخلاصه. لأن الإنسان الذي صارع يعقوب إنتصر في النهاية عليه ورحل عنه، إلا إنه سمح للمهزوم (يعقوب) أن يمسكه بقوله، " أطلقني" (تك26:32). هذا الأمر شبيه بما حدث مع موسى، عندما عبَّد الشعب الأصنام في الصحراء (لأنهم صنعوا عجلاً مسبوكًا)، قال الله لموسى بحكمة وبحسب التدبير: " رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة. فالآن أتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم. فأصيّرك شعبًا عظيمًا" (حز9:32ـ10).

أراد الله أن يعاقب إسرائيل المهووس بعبادة الأصنام، لكن أعطى الله لموسى إنطباعًا يعيق غضبه بمقتضاه بقوله: "اتركني ليحمى غضبي عليهم". لذا عندما أدرك موسى رغبة الإرادة الإلهية مضي في تنفيذ هذه الإعاقة، وقال " والآن إن غفرت خطيئتهم. وإلا فأمحني من كتابك الذي كتبت" (حز32:32).

هكذا بنفس الطريقة، قيل ليعقوب "إطلقني"، لقد قال للإنسان الذي صارعه هذه العبارة: "إطلقني". ويعقوب فهَّم بسرعة مَنْ هو الذي كان يصارعه وشعر بالحدث كله بكل جوارحه، وغيَّر مباشرةً توّجهه، وقال: " لا أطلقك إن لم تباركني" (تك26:32). وقد نال البركة. وطريقة مباركته صارت بتغيير اسمه الأول، إلى اسم آخر. لأنه يقول له: " لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل" (تك28:32). اسم يعقوب يعني "المتفوق" أي القوي واليقظ في قدرته أن يفعل كل ما هو واجب، بينما إسرائيل يعني "العقل الذي يعاين الله"

  إذن، مَنْ كان السبب؟ دعنا نشرح هذا الأمر ونحن نقلب صفحات هذه القصة.

عندما صارع يعقوب وهُزِم وأُصيب في الظلمة بإنخلاع حُق فخذه، أمسَّك مُصارعه في الحال مستعطفًا إياه أن يباركه حين بدأ طلوع الفجر، ونالَّ حقَا البركة وسُمَّي بإسرائيل.

عصيان إسرائيل وعدم إيمانه بسبب جهله ووجوده في الظلمة، أي ظلمة الجهل. هذا العصيان قد تبدَّل بفعل عمانوئيل. إذ أن إسرائيل كان عديم الإحساس ولم يعترف بعمانوئيل إلاّ بعدما أشرق على عقله بالنور الإلهي . وباركه المسيح، لكن ليس كل إسرائيل بل جزء منه، أقصد أولئك الذين آمنوا، لأنه كما هو مكتوب " أيضًا قد حصلت بقية حسب إختيار النعمة" (رو5:11)، وآمن عدد ليس بقليل من اليهود (انظر أع12:17). والتلاميذ العظماء ـ قبل الجميع ـ كانوا مثل يعقوب لديهم ناموس بلا فاعلية، وقد إجتازوا وابتعدوا بسرعة ورحلوا ودخلوا في صراع مع الله (لأنهم بالنسبة للناموس كانوا بلا لوم) لكن بعد ذلك صاروا مثل إسرائيل لديهم عقل يعاين الله. إذ أنهم عرفوا المسيح: مَنْ هو؟ ومن أين وُلِد وصار مثلنا؟، وما هي طريقة تدبيره بالجسد؟ هذا ما أقصده حين أقول قبلوا في عقلهم نور المعاينة الإلهية الحقيقية.

وكون أن معرفة الله هي أعظم وأكثر سموًا وفائقة جدًا على طريقة الحياة وفق الناموس، يخبرنا هو نفسه قائلاً بواسطة نبي من الأنبياء:    " إني أريد رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من محرقات" (هوشع6:6). وبولس الذي وُلِدَ " وفق بر الناموس" (فيلبي 6:3)، وكان أيضًا بلا لوم وفق الناموس، يقول: " أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي" (فيلبي8:3). وكون أن المعرفة الحقيقية عن المسيح هي أسمى أيضًا من الرضى والارتياح الذي يأتي من تتميم أعمال الناموس، فهذا ما يوضحه بولس الرسول حيث كتب إلى تيموثاؤس حاثًا إياه على التدرب في الفضيلة والتقوى: " لأن الرياضية الجسدية نافعة لقليل ولكن التقوى نافعة لكل شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة" (1تيمو8:4)، وكما قال المخلص نفسه إلى أبيه السماوي: " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو3:17).

بناء على ذلك، لو صار أحد مثل يعقوب، بمعنى إنه إستطاع أن يجتاز ويرحل بسهولة وبقوة من أي شيء يعيقه ويدعوه إلى الخطية، سوف يرتقي بنعمة المسيح في الفهم الذي يليق بالقديسين، وسوف يُدعى إسرائيل، أي الذي يرى الله. وحينذاك سيكون قويًا بالنسبة للناس طالما أنه قوة الله قد سندته. لأنه لا يمكن لضعف المرضى أن يجعله يعرف الله وأن يختار هذه المعرفة، حتى ولو أنه ما زال يراه كما في مرآه في لغز (انظر 1كو12:13)، والموجود في هذا المستوى يعتبر الأمور الجسدية والعالمية غير جديرة بالحديث عنها، ويستطيع أن يُسرع بتدبير فائق نحو هذا الذي يريده الله، لأنه سيكون قويًا بين الناس وسوف ينتصر مع الله وبه.

حسنًا لقد نال يعقوب البركة توسَّل إليه قائلاً " أخبرني باسمك" فأجابه: "لماذا تسأل عن اسمي؟" (تك29:32). ولم يقل له الله اسمه مبرهنًا بذلك على أن اسمه متطابق مع طبيعته. لأنه لا يمكن أن يوحد اسم خاص لله، مثلما يحدث مع الإنسان، لكن الألقاب التي هي وفق طبيعته تُنسب إليه بطرق كثيرة. هكذا يُدعى " نور وحياة وقوة وحق، ووحيد الجنس وبر وفداء". لقد أدرك يعقوب أيضًا أن الله ليس له إسم خاص، فأعطى للمكان الذي رأى فيه الله إسم "فنئيل" لأنه يقول " لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونُجيت نفسي" (تك30:32). لاحظ لقد صار إسمه إسرائيل أي "الذي يرى الله". إنه يقول أنه رأى الله وجهًا لوجه ونجت نفسه بينما كان يصارع إنسانًا. لأن معرفة المسيح هي معرفة خلاصية. إذن الكلمة المتجسد هو الله، إذ أن يعقوب البطريرك يقول أنه رأى الله وجهًا لوجه. وعندما " أشرقت له الشمس" رحلَّ عنه منظر الله، لذا يقول " إذ عبّر فنوئيل وهو يخمع على فخذه" (تك31:32). لقد توقَّف الصراع ـ كما قُلت ـ عندما إستنار اليهود، لكن رحلَّ " منظر الله" بمعنى صعَّد المسيح إلى السموات. لكن إسرائيل لم يتخلص تمامًا مِن العرج. لأنه لم يخلص بالكامل، إذ لا زال يتألم بسبب أولئك الذين لم يؤمنوا بعد، هكذا لم ينتصب الجميع. حسنًا لقد دُعيَّ يعقوب إسرائيل أي الذي له " عقل يرى الله".

وبعد ذلك، ماذا حدث؟ " وأما يعقوب فإرتحل إلى سكوت. وبنى لنفسه بيتًا وصنَّع لمواشيه مظلات. لذلك دُعي اسم المكان سكوت" (تك17:33). أسمعت لقد سكَّن في خيام؟ يمكن أيضًا هذا يعني أن ذهن إسرائيل رجَّع تجاه المكان الأفضل. لأنه عندما نصَّب خيامًا، سكَّن فيها. فالعقل الذي يرى الأمور السامية ويصير جديرًا بظهورات الله، والذي يتقدم إلى الكمال ببذل الجهد، يصير له من عند الله ثمرة ثمينة: أن أمور هذا العالم لا يحسب لها حساب إطلاقًا معتبرًا أن الحياة في الجسد مؤقتة. إذن هذا هو العقل الذي يليق بالقديسين ورسالة التعاليم السماوية العظيمة والواضحة. سوف تقتنع بهذا الأمر من داود الطوباوي الذي وصَّل إلى مثل هذا المستوى من التقدم " لا تسكت دموعي. لأني أنا غريب عندك. نزيل مثل جميع آبائي" (مز12:39). أيضًا يكتب بولس الرسول لهؤلاء الذين وصلوا إلى قياس الكمال، قياس قامة ملء المسيح (انظر أفسس 13:4): " لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة. الذي صانعها وبارئها هو الله" (عب14:13). إذن كون يعقوب العظيم، أي إسرائيل، يسكن في خيام، سيصير علامة، لكل الذين يفكرون بالصواب بأنه ينبغي لأولئك الذين لديهم بالفعل أعين متجهة نحو الله وعقل مستنير أن يعتبروا أن أمور هذا العالم مؤقتة.

بعد ذلك " آتى يعقوب سالمًا إلى مدينة شكيم" (تك18:33) الموجودة في أرض كنعان حيث جُرِب أيضًا البار مواجهًا مظالم تجاه أبنته دينا.

إذ أنها خرجت هذه الشابة العذراء من خيمة أبيها لترى بنات هذه الأرض. ولأن الجنس الأنثوي مندفع ولا يخاف ويُسرع ليتعرف ويحب مَنْ هم في عمره. هكذا خرجت الشابة ورآها شكيم ابن حمور وإغتصبها عنوةً، بمعنى أفقدها عذريتها، وتملَّكت عليه الشهوة فأراد أن يتزوجها. عندئذٍ إحتد غضب كل من شمعون ولاوي بسبب ما صار لأختهما وإعتبرا هذا الأمر إهانة لهم فشرعا في أعمال دنسة ضد أولئك الذين إرتكبوا الجُرم، أقنعا سكان شكيم بأن يختتنوا كل ذكر، وقتلوهم بدون رحمة ورأفة وبدون أي إستثناء. وقد غضب يعقوب غضبًا شديدًا لِما حدث وأخذ يوبخهما قائلاً: " كدرتماني بتكريهكما إياي عند سكان الأرض" (تك30:34). هذا الموقف يذكرنا بأن المخلص نفسه أنبأ بطرس الذي أخرج سيفه من غمده، وقال له: " لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" (مت52:26). لا ينبغي أن نتسلح بسيوف ضد الأعداء، نحن الذين أخترنا أن نجاهد من أجل إيماننا بالله. على النقيض ينبغي علينا أن نتحمل الآلام للدرجة التي فيها إذا أراد البعض أن يطردنا، فإننا نباركهم عندما يسيئون إلينا، عندما نتألم لا نجازي الشر بالشر بل نُسلم أنفسنا لذاك الذي يحكم بالعدل. أيضًا نحترس من هؤلاء الذين لهم إيمان آخر، لأنه عندما خرجت دينا من المسكن الأبوي إبتعدت ووُجدت هناك عند بيت شكيم. لكن ما كان لها أن تُهان لو بقيت في بيت أبيها وعاشت داخل خيمة القديسين.

إن هذا الأمر هو حسن ومفيد، ويقنعنا بهذا داود الطوباوي والمرنم حين قال: " واحدة سألت الرب وإياها ألتمس: أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي لكي انظر إلى جمال الرب وأتفرس في هيكله. لأنه يخبئني في مظلته في يوم الشر يُسترني بستر خيمته. على صخرة يرفعني" (مز4:47ـ5) والأمر حدث كالآتي: " ثُمَّ قَالَ اللهُ لِيَعْقُوبَ: «قُمِ اصْعَدْ إِلَى بَيْتَِ إِيلَ وَأَقِمْ هُنَاكَ، وَاصْنَعْ هُنَاكَ مَذْبَحًا ِللهِ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ حِينَ هَرَبْتَ مِنْ وَجْهِ عِيسُو أَخِيكَ». فَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَيْتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ مَعَهُ: «اعْزِلُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَتَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ. وَلْنَقُمْ وَنَصْعَدْ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، فَأَصْنَعَ هُنَاكَ مَذْبَحًا ِللهِ الَّذِي اسْتَجَابَ لِي فِي يَوْمِ ضِيقَتِي، وَكَانَ مَعِي فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتُ فِيهِ». فَأَعْطَوْا يَعْقُوبَ كُلَّ الآلِهَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ وَالأَقْرَاطَِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ، فَطَمَرَهَا يَعْقُوبُ تَحْتَ الْبُطْمَةِ الَّتِي عِنْدَ شَكِيمَ.ثُمَّ رَحَلُوا، وَكَانَ خَوْفُ اللهِ عَلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَهُمْ، فَلَمْ يَسْعَوْا وَرَاءَ بَنِي يَعْقُوبَ". .

لقد دعا إله الجميع يعقوب البار أن يذهب من شكيم إلى بيت إيل. وهو أطاع بعد ذلك عندما وصل إلى لوز ورأى الله وتيقن بالوعود أن سيصير أبًا لأمم كثيرة: " ثم صعد الله عنه في المكان الذي فيه تكلم معه. فنصب يعقوب عمودًا في المكان الذي فيه تكلم معه عمودًا من حجر، وسكب عليه سكيبًا وصب عليه زيتًا. ودعا يعقوب إسم المكان الذي فيه تكلم الله معه بيت إيل" (تك13:35ـ15).

حوادث كثيرة ـ مثل تلك التي ذكرناها ـ برهنت على أن يعقوب رجع إلى أرض إسرائيل وفضَّل أن يكون في حالة أفضل. لقد سكَّن في خيام مظهرًا بهذا أن القديسين يقيمون في العالم بصفة مؤقتة. عندما عَلِم بالأمور التي حدثت لإبنته وحزِّن جدًا لحدوث التصرفات التي فعلها بخساسة كل من شمعون ولاوي وهما في حالة غضب، وجَّه لهما كلامًا لاذعًا نستنتج منه أن ما يتناسب مع القديسين هو التسامح والصبر في التجارب. إذن عندما دعاه الله ليصعد إلى بيت إيل أي إلى مسكن الله (لأن هذا هو معنى إسمه بيت إيل) وصلى إلى الله مبينًا لنا مدى حُبه للحياة السرائرية. لكن بأي طريقة ـ إذن ـ نذهب إلى بيت الله، نعرف هذا الأمر مما فعله يعقوب كالآتي: أمَّر أن يبعدوا الآلهة الغريبة الدنسة، وأن يغيروا ملابسهم، الأمر الذي نعتاد أن نفعله عندما نكون مدعوين بأن نرى الله وندخل إلى هيكله المقدس بالحري وقت المعمودية المقدسة. لأنه ينبغي علينا أن نُخرِج من داخلنا الآلهة الغريبة ونكون بعيدين عن أي ضلال، ونقول: " أجحدك أيها الشيطان وكل أعمالك وكل عباداتك". ينبغي علينا أن نُغيَّر ملبسنا خالعين الإنسان العتيق، هذا الذي فسَّد بشهوات الضلال، ونلبس الجديد الذي يتجدد وفق صورة ذاك الذي خلقه (انظر كو10:3). أيضًا خلعَّن الأقراط التي في آذانهن، هكذا دخلت النساء اللاتي كُن مع يعقوب إلى بيت الله بدون أن يكون لديهن أي زينة جسدية، حللَّن أيضًا شعورهُن، محررين هكذا رؤوسهن من أي تعقيدات مجدولة في شعورهُن تشير إلى إرتكاب جرائم[1]. إذن عندما نصعد إلى بيت إيل، أي إلي بيت الله نطرح عنا ـ مثلما فعل النساء ـ أي زينة لكي نتعرف على الحجر المختار الموضوع في رأس الزاوية، أقصد المسيح (انظر مت 42:21). وسوف نراه يُمسح من الآب لبهجة وفرح كل الأرض. لأنه ـ كما قُلت ـ مُسح الابن بواسطة أبيه " من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الإبتهاج أكثر من رفقائك" (مز8:45) بحسب قول المرنم. يمكنك أن ترى هذا ـ بطريقة رمزية وتصويرية ـ في القراءات التي قُرئت علينا منذ قليل، لأنه يقول: " نصب يعقوب حجرًا ومسحة بزيت وخمر". حسنًا، هذا الذي حدث كان مثالاً لسر المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 



[1] كانت عادة النساء من الوثنيين أن يجدلوا شعورهن كالحبال ويفعلون الفحشاء أمام الآلهة الوثنية، وهنا يوصي يعقوب نساءه بأن يحللَّن شعورهن حتى لا يتشبهن بالنساء الوثنيات. (المترجم).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق